قامت «السفير» على أبواب هزيمة حزيران ونهوض المقاومة الفلسطينية واندلاع الحرب الأهلية في لبنان. هذه ظروف فرضت تحولاً وانعطافاً وانقلاباً على السابق والدارج والمأثور ومعالجة نقدية. كانت «السفير» امام هذا كله وكان عليها ان تستقبل الرياح الآتية من كل صوب، وان تحتض الجديد الذي بدأ يتولّد. بل كان عليها أن تكون بؤرة هذا الجديد وقاعدته. كانت «السفير» في أول بدوها صحيفة قومية، المقتطف من الكلام عبد الناصر الذي يعلو صفحتها الأخيرة يكاد يكون شعارها اليومي، لكن هزيمة حزيران أتت لتفسح لما بعد الناصرية وإن كان يخرج أحياناً من الناصرية نفسها. فالمشروع الناصري التحرير «التحديث» الوحدة العربية لم يعد يرى من الوجهة نفسها، لم تعد له قراءة واحدة ولا كتابة واحدة. صار ممكناً الحديث عن يسار ناصري ويسار قومي، بل صار ممكناً نقد النظام العسكري التي قامت عليه الناصرية.
اليسار القومي
هزيمة حزيران حملت أسئلة على كل شيء. والسؤال الأول كان عن طبيعة النظم العسكري وقاعدتها وبنيانها الطبقيان ومضمونها السياسي. وبالتأكيد كانت هزيمة حزيران انقلاباً مأسوياً ونقدياً وغاضباً في الثقافة والفن والأدب. يتامى حزيران كما سُمّي شبان تلك الحقبة وجدوا في «السفير» يومذاك، لا جريدة مضيافة لهم فحسب ولا مجرد مائدة مفتوحة ومنصة جاهزة، بل وجدوا فيها ما يمكن ان يُسمّى حاضنة وشريكاً ورفيق سلاح. بقي الشعار الناصري على الصفحة الأخيرة ولا يزال، فاليسار القومي أضاف الناصرية إلى ذخيرته؛ لكن الفكر الذي غزا «السفير» وتبنته «السفير» وتمثلته وبثته بالتالي ونشرته، كان فكراً يسارياً حراً ومستقلاً إن لم نقل يساروياً. كان زواجاً بين الماركسية والقومية. والأرجح ان هذا الزواج هو ما جعل هذا اليسار الذي يقاطع مع المقاومة الفلسطينية فلسطيني الهوى فلسطيني التطلعات. كانت حرب الشعب وعقيدة الشعب، هما ركناه. وبالطبع كان لهذا مقابل في الثقافة والأدب الفن وتمثل له في المسرح والتشكيل والشعر والرواية والغناء والموسيقى. لقد نشأت من كل ذلك رؤيا عاصفة قلقة مأسوية مهزومة سلبية شعبوية تقريباً، نشأت منه رؤيا واقعية سوداء متألمة وساخرة وقاسية وخشنة ومحورة. وجدت «السفير» نفسها صوت هذه الموجة واتجهت الموجة إليها. كان لدى «السفير» الاستعداد والأهبّة لتكون كذلك، لم تكن فقط سياسياً مع الجديد الفلسطيني، لكنها وبالدرجة نفسها كانت مع البديل الثقافي، كأنما كان هذا في سليقتها وطبعها وكأنما كانت جاهزة له. لذا لم يتعب أهل هذا التيار حتى وجدوها، ولم تتعب هي حتى وجدتهم. كانت جريدة جديدة، لكن الأهم من ذلك كونها محتفية بالجديد ومتأهبة له وقادرة على موافاته.
لم يكن مفاجئاً إذاً أن يكون في إدارتها جوزف سماحة وحازم صاغية وجورج ناصيف، ولن يكون كتابها شيئاً آخر. كانت ثمة قضايا لا يكفي الإخبار عنها، إذ لا بد أولاً من وعيها وتحليلها وردها إلى ظرفها التاريخي، لا تكفي طرافتها وأخبار شخصياتها والعلم بكواليسها، كما كان التعليق السياسي يفترض، كان لا بد من نهج ومن فكر ومن نظرية. هكذا كانت «السفير» الأولى التي أنشأت صفحة قضايا. وصفحة قضايا هي محل هذا الفكر السياسي الذي باتت مصدره. كان هذا جديداً ولا شك، إيجاد فكر سياسي يومي وتحويل السياسة إلى فكر وإلى مسألة ثقافية. لم تكن «السفير» الأولى في ابتكار صفحة ثقافية، لكنها كانت الأولى في إيجاد صفحة ثقافية للسياسة. هكذا لم تكن السفير جريدة تتضمن الثقافة بل غدت في صفحاتها كلها تقريباً صحيفة ثقافية. فقد غلب التحليل والتنظير والنقد حتى على رواياتها الإخبارية، التطلب الثقافي كان مهيمناً لدى محرريها الذين جاؤوا في قسم كبير منهم من اليسار الجديد الذي كان في الأغلب تياراً فكرياً وتجمعاً ثقافياً. هذا ما طبع الجريدة كلها التي حملت تلاوين هذا اليسار وتطلباته.
الحلم اللبناني
يمكننا ان نشير إلى حقبة من الثقافة اللبنانية بجريدة النهار التي سبقت إلى صفحة ثقافية وإلى ملحق ثقافي. لكن النهار كانت منصة هذه الثقافة قبل الحرب. من ميزات الثقافة اللبنانية قبيل الحرب أنها كانت ثقافة الحلم اللبناني، والحلم اللبناني بوطن متميز وخاص واستثنائي في المنطقة التي لا يلابسها بل يبقى منفرداً فيها. الحلم بدولة من النمط الغربي، وببلد حضوره ودوره ومعناه أكبر بكثير من جغرافيته وسكانه وبكلمة أكبر من واقعه. لذا كان لبنان يكاد أن يكون وطناً ميتافيزيقياً، اقتصاده معجزة ودوره حضاري ووجوده امتياز. بالطبع قامت داخل «النهار»، لنسمِّ أنسي الحاج في هذا الصدد انتفاضة على هذا التغني بلبنان، فمع الثقافة الجديدة الدادائية والسيريالية لم يعد العالم فردوساً، لكن «النهار» ظلت مع ذلك منبر الحلم اللبناني الذي لم تؤدِ حرب أهلية صغيرة 1958 إلى تنحيته؛ فما حدث بعد هذه الحرب الصغيرة استنهاض أكبر لهذا الحلم تمثل بالمشروع الشهابي لإرساء دولة فوق الانقسامات وفوق النعرات. «السفير» التي تأسست قبيل حرب أهلية، لم تكن صغيرة ولا عابرة هذه المرة، وبالطبع لم تُرتجل بل كانت لها مقدماتها: الثورة الفلسطينية ودخولها إلى لبنان بعد هزيمتها في الأردن والنزاع الذي أعقب دخولها. كل هذا كان وراء الحرب التي سرعان ما انفجرت.
لا بد أن الحرب الأهلية انتهت أول ما انتهى هذا الحلم اللبناني. لم يعُد لبنان، لا اقتصاده ولا وجوده ولا دوره معجزة وانفراداً واستثناء. كان علينا الآن أن نفكر بدولة متداعية وجيش موزّع وشوارع ومعسكرات ومناطق، عدا ما كان علينا أن نلاحظه من القتل العشوائي والقنص ناهيك عن جمع الآذان والأعضاء البشرية. لقد بدا الوطن المعجزة والاستثنائي متوحشاً وبرياً ومتخلفاً وألعوبة. ما كان هذا بالطبع يناسب صورته الليبرالية الأولى. بات الآن بلداً قابلاً للزوال ووطناً متداعياً وبؤرة للنعرات والنزاعات، متوحّشاً دموياً. لقد خرج من كل ذلك فكر جديد وأدب وفن جديدان. كان هذا بعد هزيمة حزيران آخر الكأس، لقد طفحنا بيأسنا وخيبتنا وانهزامنا وخوفنا من زوال ذاكرتنا وتاريخنا. لذا في مكان الحلم والتغني انكببنا على الواقع، بل على ما تحت الواقع، وفي مكان التغنّي حلت واقعية شرسة سوداء، حل أدب عنيف وفكر نقدي. لكنّ الذي سيطر هو الأرشيف. أمام لبنان المولّي المهدّد بالزوال عكف الأدباء والمفكرون على إحصائه، وتصنيفه ومتابعة كل زاوية وحارة وكل معلم في لبنان وبيروت بشكل خاص. لقد وجدت هكذا بذور تاريخ لا صلة له بالتاريخ الخيالي والطوائفي الذي كان للبنان، لكن وجد هنا أدب قاسٍ فظ ومديني هذه المرة، تمثل في الرواية كما تمثل في الشعر، لا ضرورة للقول بأن السفير كانت مرة ثانية جاهزة لاستقبال هذه الرؤيا وهذا الجديد بحيث صارت أحد منابره.