عندما أحرقوا كتاب «ألف ليلة» في القاهرة أتذكر كاتباً إسبانياً قال: «إذا رأيتَ في أسوأ الكوابيس أن كتاب سرفانتس «دون كيشوت» قد احترق فإنني سأستيقظ من هذا الكابوس مذعوراً، لأرى كتاب «ألف ليلة وليلة» محترقاً».
ثمة في حياتنا كتب، وأفلام، وصحف ومجلات وموسيقى، ومراكز نور، لا نستطيع تخيّلها من دون أن نحس بالنقصان وبالأسف الممزوج بأنواعٍ عديدة من عدم الاستيعاب. من بين هذه الموجودات «جريدة السفير» التي منذ أعدادها الأولى أنبأتنا أن الصحافة ليست الخبر وحده ولا التعليق السياسي والصورة والمقال، والمانشيت المبهر والسبق الصحافي... وإنما أيضاً هي المنبر المعرفي والثقافي، ومكان استضافة كتّاب الوطن العربي، ومكان سجالهم.
«السفير»، ليس غريباً أنها اليوم تغلق أبوابها، بل الغريب أنها بقيت حتى الآن، فلقد كان ميلادها في عاصفة السبعينيات وحضانتها في الحروب المحلية وفتوّتها في الحروب الكونية، وهاهي تتجه إلى النهاية في أحدث أنواع الحروب وأكثرها بذاءةً وتهديداً لسلام الأوطان والأوثان والبشر.
«السفير» درّبت نفسها لا أدري كيف؛ على السير في حقول الألغام، فليس بإمكان الصحافة أن تعثر على استقلالها، وتكتفي عادةً بالعثور على وجهة نظر في مسألة الاستقلال. وأهم الرايات المزعومة للاستقلال هي الراية المالية. وهكذا تتعثر الصحف، تحيا وتموت، وأحياناً لا تعثر تماماً وبأمانة على الأسباب الحقيقية للموت.
لكننا نعرف أن الإمبراطوريات الإعلامية هي التي تبقى مئات السنين، وسيكون سهلاً في الوقت نفسه أن تقطع الأذرع الإعلامية التي تحاول أن تصنع البطولة من الأحلام والقضايا الخاسرة؛ أما الممالك الإعلامية فهي التي نفطها أغزر ومشروعها أحوج إلى الجريدة والتلفزيون والفضاء والإذاعة و... المعجزات.
وقد يكون قرار بقائها هو مسودة قرار إلغاء ما عداها، فكما هناك المال السياسي، هناك المال الإعلامي، وكلاهما أدوات حرب دائمة.
مؤلمٌ أننا لن نقلّب أوراق هذه الجريدة اللتي تعودنا عليها، أو نفتشَ في (الإنترنت) عنها بعد أن غادرتنا في سورية. مؤلمٌ أننا لن ننتظر بعد اليوم ملحقها الثقافي الذي نشرنا فيه قمصاننا وزفراتنا وكان رحيباً، مرّ عليه كتّاب وشعراء ومثقفو هذه البلاد العربية، حيث كانت «السفير» منبرهم في محاولتها أن تكون (صوت الذين لا صوت لهم). مؤسفٌ حد الألم إعلان موتٍ من هذا النوع، ولكننا يبدو أننا اعتدنا على الوداعات الرنانة، على رؤية قلمٍ مكسور، وكتابٍ ممزق، وبشر محنتهم هي الصفحة الدائمة الأولى في جريدة الكون.
أحاول أن أستعيد بصرياً صور الأشخاص الذين صنعوا (السفير) الأولى في سنواتها الأولى، ولكنني أكفُّ فوراً عن المحاولة لأن معظمهم موتى، ومن تبقى منهم يتقدمون في السن؛ والأسف على هذا الجبل العالي... جبل أعمارنا المؤلف من الأنقاض.
وداعاً للسفير... التي صمدت طوال هذه الدهور العربية.
(روائي وشاعر سوري)