كُلُّ جيل، بلا شك، يدّعي أنه سيعيدُ خلقَ الهوية وربما العالم. منذ التأسيس كانت مهمة «السفير» أكبر وأصعب، كانت تقضي بمنع نسيان الهوية. تراكم ثقيل من الإخفاقات والأحلام المُجهضة. جنون التكنولوجيا، ضمور الإيديولوجيات، انقراض الفلاسفة ورحيل عمالقة الأدب والسياسة، خَلَت الساحة إلا من ضعفاء الرؤية والنفوس التي تدنت إلى ثقافة الحقد والظلامية. مُتسلّحةً بشكوكها كشاعرة مبتدئة انطلق مشروع مقاومة الهذيان من خلال ترميم قليلاً مما يُكسِبنا كرامة العيش أو الموت، من مشروع القومية وانتهاء بصمت كل معتقل مجهول يتآكله الإذلال في أقاصي الأرض، تخرج الكلمة من منافيها فتكون صدى لخدمة الحق وخدمة الحرية.
بدأت علاقتي بـ «السفير» في مطلع الثمانينيّات، ذاك الطفل ينتظر عدد نهار الإثنين للاطلاع على الصفحة الرياضية في ظل غياب القنوات الرياضية المتخصصة، كنّا نفرح للانتصارات بعد مرور يومين، حتى لحظات الفرح النادرة في تلك الأيام كانت تصلنا مُتأخرة. قراءة الصحيفة كانت لها طقوسها كنّا نحرص على طياتها وما في طياتها وإرجاعها بعد الانتهاء منها إلى مكانها ومكانتها. كنّا نقوم بقص مواضيعنا المفضلة ولصقها بالصمغ في الصفحات الأخيرة من دفاتري المدرسية. كانت تلك ذاكرتي وأرشيفي قبل ظهور الأقراص المدمجة والأرشفة الرقمية والشبكات العنكبوتية التي انتهت بأن اصطادتنا.
تتراكم المنظومة المعرفية بفعل اختزان ما ننجذب إليه ويتفاعل معنا فكانت الصفحات الرشيقة كصفحتها الأخيرة التي تُشبه إغواء ملعقة من عسل، تتذوّقها فينتهي بك الأمر إلى التعلّق بكل المحتوى السياسي والفكري الذي يُشكل الوعي المُمهّد لظروف الإبداع.
خلال الحرب الأهلية، وجدتني ـ لسبب أجهله ـ في شارع الحمرا على مقربة من «السفير»، وتحديداً في ملجأ سينما الكوليزيه التي بدورها أقفلت، ككل أحلامنا الجميلة، في المساء كنت أشاهد الفيلم نفسه لثلاثة أشهر وصباحاً أقف أمام مبنى الجريدة وأرقب الوجوه لمحاولة إيجاد تطابق بين أسماء الكُتاب ووجوههم، أدركت لاحقاً أن مَن ظننته لسنوات يوسف برجاوي كان في الواقع عباس بيضون.
الانتقال إلى الريف بحُكم العطلة الصيفية والأحداث الأمنية كان يُعمّق العلاقة بالصحيفة. في القرية دكان واحد لبيع الجرائد وإذا نفد العدد كنّا ننتقل إلى قرى الجوار للظفر بالعدد وحجز عدد اليوم التالي، كانت الابتسامة تعلو وجهي عند عودتي المظفّرة، تطل الصحيفة بأذرعها المفتوحة فألقاها بأذرع مفتوحة على مسافة وسطية بين فنجان القهوة والقلب.
إصدار الكتاب الشهري المجّاني كان نواة تأسيس مكتبتي الخاصة. كان تنوّع مواضيعها وقيمتها الأدبية دافعاً للحصول على كل الأعداد والتفتيش عمّا يفوتها منها في قاع العلب الكرتونية بمكتبات شارع الحمرا.
في تجربتي الشعرية كانت الصفحة الثقافية في الجريدة خير مُحفّز، تجول في تلك المكاتب الضيقة التي تفيض كتباً وطاقة إيجابية فتشعر بالانتماء. لو كنتُ أعلم أن الأفكار الجميلة تأتي من هذا المكان لذهبت هناك منذ زمن طويل، تلك الأفكار التي تتدحرج قطعة قطعة بين الغرف المتجاورة ثم تحصل على النص.
بُذل جهد كبير هنا في صفحات كُتبت بين هذه الجدر المتواضعة، اكتسبت هيبة العطر وأصبحت تتمثل الوعي بثقافتنا، تصوغ ما نشعر، به تمنحني الوعي لإيجاد ذاتي، فيصبح وجودي أكثر احتمالاً.
هدف الاعتراف هو التحرّر، هذه هي المداواة والغاية منها. شيء ما يتصدّع في دواخلي، هل «السفير» كتبت أكثر مما ينبغي؟ ربما ملّت في محاولة تغيير الواقع؟!
هل هي مُعافاة الآن أم متعبة من اللاجدوى، ربما مثلنا قد رصدت بداخلها نوعاً من الإعياء وفقدت الإيمان بالكلمات فتوقفت عزيمة المحارب في ميادين جريحة على الدوام؟
أكتب في وداعها بشهية العذابات الأنيقة، لم يكن يُغرينا في شارع الحمرا إلا المقاهي والصحيفة، فإلى أين نفِر الآن من ذواتنا؟ وأين نجد تلك الوثبة إلى فلسفة الآخر ووجهة نظره؟
بعض من الصمغ ممزوجاً بالورق والحبر الأسود ما زال عالقاً بي كالوشم على أصابعي ويأبى أن يزول.
سنظل ننتظر غرفة مجاورة تتدحرج إلينا المعرفة منها قطعة قطعة.
(شاعر وطبيب لبناني)