إذا كنتَ ترغب في أخذ لمحةٍ مكثّفة عن ثقافةٍ محض بيروتيّة، عن تمازج الأخيرة مع غيرها من ثقافاتٍ محليّة، عن تاريخٍ مخبّئٍ بين حجارة مدينةٍ متعبة، عن أحداثٍ سوداويّة عصفت بلبنان فأنهكته تفاصيلُها، عما يخفي أهل المدينة وما يعلنون، عن انعكاس ذلك على عائلاتٍ مختبئة خلف السّتار، ما عليكَ سوى التوجّه شطر مسرح الثنائي يحيى جابر ـ زياد عيتاني.
ثالث وجوه بيروت يحطّ رحاله في «تياترو فردان». المسرحيّة الجديدة من تأليف وإخراج يحيى جابر وتمثيل زياد عيتاني حملت كثيراً من فرادة. «بيروت بيت بيوت» تغوص في تفاصيل المدينة عبر لسان طفلٍ خرج من رحم والديه المنتميين إلى الطائفة السنّية في منطقة المزرعة، فرجلٍ يرتبط بسيّدةٍ من آل بيضون تنتمي إلى الطائفة الشّيعية. وبين ثنايا المرحلتين، وابلٌ من المعلومات يطفو على السّطح ليعرّي، بطابعٍ كوميديّ بطله زياد الحكواتي، المدينة من غطائها الزّائف.
تحضر الحرب الأهليّة عبر ولادة زياد الرضيع مطلعها. تُجسّدُ معالمُها عبر «الحواجز» التي ذكرها العمل. لم تُستثنَ جهةٌ من النّقد. من «الشّيوعي» فـ «القومي السّوري» إلى «الجبهة الشعبيّة» مروراً بالناصريّين و «البعث» وصولاً إلى الإسلاميّين. وكل ذلك بطابعٍ كوميديّ.
يُسرَد تاريخ العائلات البيروتيّة عبر الاستعانة بما أرّخه الباحث حسّان حلّاق. آل طبارة والرفاعي والقليلات وغيرهم. يعلو الضّحك عندما يقول زياد إنّ تلك العائلات هي ذات أصول إسبانيّة. تفخيم صوت الحكواتي لدى ذكره أسماء العائلات يفعل فعله.
لا تغيب «اللطشات» عن العمل. تُقدَّم ضمن قالبٍ ذكيٍّ استعان بمهارات الممثّل العالية وقدرته على تقمّص الشخصيّات. بين لحظةٍ أخرى، ينتقل الرجل من حالةٍ إلى أخرى. خلف صورةٍ عملاقةٍ لبيروت ذات اللونين الأبيض والأسود، يقف زياد. يعرض ما لديه من انتقاداتٍ وتوثيق. في لحظة، يصبح رجلاً قادماً من العصر الجاهليّ، يتحدّث عن بربور التي كانت تعايش ذاك العصر قبل مجيء «الإستاذ».
من لا يعرف تفاصيل «البيارتة» يُمكنه حضور العمل فيكوّن فكرة. «الحج» البيروتي المعروف بـ «الرّوب الأحمر والبيجاما المقلمة والمشّاية البنتوف». لباقي مكوّنات المجتمع حضورٌ كذلك في العمل. لكلٍّ خاصيّته التي لم تمنع يوماً من التماهي مع خاصيّات باقي مكوّنات الوطن. منطقة المزرعة نموذجاً.
يحمل عنوان العمل جديدَه المقدّم. «بيروت بيت بيوت» دخل بيوت العاصمة بنكتةٍ ذكيّة. يقول عيتاني لـ «السّفير» إنّ هذا العمل مختلفٌ عبر «التفاصيل الحياتيّة»، موضحاً أنّ العمل ذو طابعٍ كوميدي شعبي. هو الأقرب إلى قلب زياد.
على مدى عامٍ كامل، استمرّت التحضيرات المكثّفة. يشير عيتاني إلى أنّه بقي طوال تلك الفترة يعاين المناطق التي ستكون عماداً لعمله، ليقوم بعدها جابر بتأليف النصّ وإخراجه. يؤكّد ذلك حديث زياد عن المسرح الخارج من قلب الشارع.
مع الضحك حنينٌ كثير. زياد القادر على ملء «التياترو» ضحكاً، قادرٌ أيضاً على ملئه «نوستالجيا» لمدينةٍ تغير كثيرٌ من معالمها ومعالم أهلها. هي بيروت القادرة على تلوين فرح الدنيا وهو المسرح القادر على عكس ألوانها.
أمّا مسرح «جابر ـ زياد»، فعرف تماماً كيف يفعل ذلك. ألوان بيروت المعكوسة على مسرحه ترسمها شخصيّاتٌ كثيرة عبر رجلٍ واحد: «الاستعراض الفردي»، «عرض الرّجل الواحد»، «One Man Show».
«بيروت بيت بيوت» تسير وفق مسارٍ بسيط ذكيّ في آن: من رمزيّةٍ جسّدها حبّ رضيعٍ حديث الولادة لأخرى ما تزال في بطن والدتها ينتمي أهلها إلى طائفةٍ مغايرة، إلى شابٍّ ترعرع على خصائص بيئةٍ معيّنة، ثم رجلٍ عاد فارتبط بتلك المرأة وما لبثت أن اشتعلت المشاكل والخلافات اليوميّة بينهما، إلى الطفل نفسه الذي عاد ليحبّ الطفلة ببراءة.
الطلب على «بيروت بيت بيوت» مرتفع. الحضور الذي اعتاد الثنائيّ المبدع أصبح يستبعد أيّ خيبة أمل. مع «جابر ـ عيتاني» لا مكان للتكرار. إبداعٌ متجدّد. جمهور العرضين السابقين يتوسّع الآن. أمّا الطلب الكثيف على بيروت ببيت بيوتها فيشي باستمرار العروض إلى فترةٍ طويلة.