يُشكّل الشريط المُصوَّر لمسرحية «بالنسبة لبكرا شو؟» (1978) لزياد الرحباني مادة لنقاش يبدأ من معنى عرض صورة مرتبكة وصوت ملتبس لمسرحية راسخة في مخيّلة جماعية لبنانية، ويكاد لا ينتهي عند الجوانب المختلفة الأخرى، المتعلّقة بالذاكرة ولغة الصورة واستعادة الماضي والنوستالجيا، بالإضافة إلى موقع الرحباني الابن في الوجدان اللبناني العام.
الأسئلة كثيرة، لكن أهمها كامنٌ في كيفية مقاربة صُور قديمة، وإن كانت باهتة أو رديئة. فهل تمنع «وشّة» أسطوانة لسيّد درويش من الاستماع إليها؟ لماذا انشغل نقّادٌ بثغرات ترميم «بالنسبة لبكرا شو؟»، وأغفلوا أن 28 عاماً تفصلنا عن المسرحية الأصلية، التي صارت في تراثنا، والتي ينبغي أن نتعامل هكذا معها؟
هل تملك أسطوانة قديمة؟ فلنقل لسيّد درويش. هل أدمنتَها يوماً؟ هل يئست من محاولة إدراك ذاك الشيء الخفيّ، الذي يربطك بتلك التسجيلات؟ بذاك الصوت؟ بتلك الألحان؟ هل فشلتَ في معرفة سبب استماعك إليها مراراً وتكراراً، على الرغم من «الوشّة» و «التّقطيش»؟ هل سألْتَ نفسك: «لمَ تستميلني»؟ ألم تشعر بلذّة وأنتَ تحاول التّماهي مع صوت الطّنين؟ ألم تبتسم وأنتَ تتخيّل هيئة درويش وهو يقول: «بوخومار خنفشار»؟ ألم تشعر بحاجة إلى رؤية شفتيه للتأكّد من صحّة سماعك عبارة: «وين ها الألعوط هخّي الصرماية يا أطل مازنيس»؟ بالتأكيد فعلْتَ.
حتماً أردْتَ معرفة هيئة درويش وهو في «الحالة». وهو يحرّك ريشته. يميل برأسه. هل كان يغمض عينيه أم يفتحهما؟ أكان من المبتسمين؟ هل كان يفضّل الغناء وهو جالس؟
لن تنتظر فيديو قديماً حتّى تنسج حكايتك عن الرّجل. سيّد حاضرٌ في مخيّلتك، وإن لم تتعمَّد ذلك. يتفاوت الأمر بينك وبين الآخرين تبعاً لقوّة مخيّلتك. لقدرتها على النّسج. كاحتمالاتٍ أولى، ستقوى مخيّلتك على إظهار سيّد بهيئتين: مرتدياً البذلة، أو الجلباب. والسّبب؟ هما الصّورتان الأشهر له. سيّد هو ذاك الشّاب ذو الشّعر الأجعد. المرتفع نحو الأعلى. شفتان منفرجتان قليلاً. ينظر إليك مباشرةً. عينان غارقتان نحو الداخل. أو واضعاً يده على ذقنه وهو ينظر إلى البعيد في صورةٍ قريبة من الأولى.

خيارات الصورة والصوت
في مكانٍ آخر، هو سيّد القرويّ. أصغر سنّاً من الهيئة الأولى. ابتسامة خجولة. عينان أكثر وضوحاً. ونظراً إلى وفاته في سنٍّ صغيرة، ستجد صعوبة في تصوّره عجوزاً. سيبقى دائماً في مخيّلتك الشاب سيّد درويش.
لستَ من هواة هذا النّوع من الموسيقى؟ إذهَبْ إلى خيارٍ آخر. فرانك سيناترا. ذاك الأميركيّ الغنيّ عن التّعريف. ألم تشعر مع أشهر مغنِّي القرن العشرين بـ «جاذبيّة درويش»؟ ألم تطرح على نفسك تلك الأسئلة أيضاً؟ مخيّلتك مع سيناترا محدودة نظراً إلى توفّر صُوَره بشكلٍ أكبر. توجد له أشرطة فيديو كثيرة. لكن، على الرغم من ذلك، بقيت صورته تساوي الملايين. من يقتني صورة قديمة لفرانك، يملك بين يديه كنزاً كبيراً.
بما أنّ عالم الخيال ليس محدوداً، تخيّل أنّك وجدت شريط فيديو قديماً لسيّد درويش. حتماً، سيكون ذا جودةٍ عاطلة. مشوّشة. أكثر رداءةً من التسجيلات الصوتية المعبودة. على الرغم من ذلك، سيتهافت كثرٌ لمُشاهدته. المتهافتون ليسوا «عشّاقاً مجانين». ربّما من باب النوستالجيا. بالمناسبة، كثرٌ من النقاد يكرهون الكلمة الأخيرة لسببٍ غير مفهوم. ربّما من باب حبّ الاطّلاع. ربّما يقتصر الأمر على الحشريّة. حشريّة معرفة مدى «إصابة» مخيّلتهم للواقع. هل فعلاً عازف العود إلى جانب درويش نحيلٌ إلى هذه الدرجة؟ إلى هذا الحدّ تغوص المخيّلة في التفاصيل.
هذه النظريّة طُبّقت فعلاً على سيناترا. منذ مدّة، طُرح له فيديو جديد. دقيقةٌ واحدة واثنتان وأربعون ثانية لفرانك. يدخل إلى مسرح «بارامونت» في نيويورك، ويؤدّي أغنيةً. دقيقةٌ واحدة واثنتان وأربعون ثانية لفيديو صامت. يصعد إلى المسرح. النساء حوله يصرخن. يبكين من الفرح. فيديو غير متقن التّصوير. «زواياه» ضائعة. بلا صوت. فيديو لفنّانٍ له الكثير من الأعمال المصوّرة، جذب هذا القدر من المتابعين. فكيف غيره؟
العلاقة مع الصوت ليست عابرة. تحوي قوّةً مبهمة. غير مفهومة. يتخطّى الأمر الموسيقى. يدخل في تفاصيل الحياة اليوميّة. للجميع رغبة في معرفة مدى تماهي ما أنتجته المخيّلة حول الأصوات في الواقع. في الأمر نوعٌ من «الحرقصة». إنه أشبه بعلاقةٍ تجمع اثنين على الهاتف. ليس في الأمر تعقيد. ينطبق على أبسط الأمور. فلنقل إنّه يُشبه تلك الرغبة في معرفة ما إذا كان عامل الهاتف في مطعمك المفضّل طويل القامة أم قصيراً. حتماً ربطتكَ علاقة بذاك الشخص. لديكَ رغبة في معرفة هيئته. لون شعره. مدى فرحه. انزعاجه وهو يجيب على طلباتكَ الكثيرة. ربّما ليست رغبةً قويّة، لكنّها في مكانٍ ما موجودة.
عالم سيّد مسموع وليس مرئيّاً. عالم فرانك مسموعٌ أكثر منه مرئيّاً.

وعالم زياد الرّحباني؟
لم يطرح زياد نفسه يوماً على أنّه «رجل الصّورة». دائماً كان يُفضّل حاسّة السّمع على البصر. ربّما تكون التّسمية الفضلى له هي «رجل الصّوت». حتّى في موسيقاه، يجنح نحو تخفيض «الصُّور الكلاميّة». الآلة الموسيقيّة أبلغ من الحرف. لديها القدرة على إيصال الإحساس. إحساس الآلة أصدق من إحساس الحنجرة. قالها دوماً.
من لا يعجبه زياد، دخل إلى «بالنّسبة لبكرا شو؟» وهو «يعلم» أنّ «المسرحيّة ـ الفيلم» فاشلة. من يعشقه، حضّر مسبقاً الانطباع الإيجابيّ. غاص كثرٌ في النّقد. ضاعوا في تفاصيله. استغلّوا الحدث كي يُغرقونا بالمعلومات. عيارات الكاميرات. نوعها. تخمين عددها. زاوية التّصوير. كيفيّته. الروايات التاريخية للعمليّة. أسباب عدم تصويرها سينمائيّاً. ليال الرحباني قامت بالتّصوير. شقيقة زياد. هاوية هي. لا تعرف التّركيز على الزاوية الأفضل. طُلب منها ذلك. لم يُطلب. تفاصيل التّرميم. كان يجدر به. كان عليه أن. أخطأ هنا. أصاب هناك. تعثّر في هذه المرحلة. حالفه الحظّ في تلك. لغير المتخصّص، هذه أمورٌ مملّة. قد يحتاج الواحد منّا إلى تكرار قراءة العبارة حتّى يُدرك معناها. هذا إن أدرك.

سَمَاع
كان بإمكان من لم تعجبه «خشّة» الصورة وترميم المشاهد وتبديل ملابس الممثّلين بين المشاهد أن يكتب مقالته النقديّة قبل العرض بأشواط. لم يكن أمر الترميم و «التّقطيش» والمشاهد المتداخلة والصوت الرديء سرّاً على أحد. من غير المعقول أنّ يأتي ثمار عملٍ، استغرق ترميمه أكثر من ثلاث سنوات، «غير شكل». كنّا نعلم أنّ الفيلم لن يكون بـ «جودة» السّمع نفسها. الجودة وليس المضمون.
عالم زياد مسموع. لكن لا ضيرَ إن أصبح مرئيّاً. البعض يعترض على الفكرة. لا نُريد لعالمه أن يصبح كذلك. ولكن مهلاً، من قال إنّ عالمه أصبح كذلك؟
شركة “Mmedia” طلبت من الحاضرين و «النقّاد» غضّ النّظر عن الثغرات. فصّلت المشاكل التي تعترض العمل. فما كان من النقّاد إلا أن أعادوا سردها بمصطلحاتهم «غير الشعبيّة». الصورة «المغبّشة». الزاوية الضائعة. تبديل ملابس الممثّلين في المشهد نفسه. من انتقد هذه الأمور وضع نفسه في الإطار الآتي: لو كان تصوير الفيلم ممتازاً لكنّا قبلنا العرض. بمعنى آخر أخرج الناقد نفسه من زاوية التعامل مع عملٍ له «خصوصيّة تاريخيّة»، وحشر نفسه ضمن زاوية تعامله المعتاد مع نقد الأفلام أو الأعمال المسرحيّة اليوميّة. زياد الرّحباني تماماً كفلان الفلاني. في الأمر نوعٌ من الإجحاف.
هناك من تحدّث عن تشويه الفيلم للمسرحيّة في الأذهان. ربّما انطلق من قاعدة أنّ «الصورة العاطلة تُفسد العمل». ربّما «أتعبه» الصوت الرديء و «الوشّة»، و «أجهدته» قراءة السطور أسفل الشاشة. لكن، مهلاً. هل هكذا يتمّ التعامل مع الأعمال القيّمة؟ من يعتبر أنّ في «الصورة المحفوظة» لعملٍ قديم تشويها، فهو ينطلق من فكرة أنّ العمل قيّمٌ للغاية. من يعتبر أنّ العمل قيّمٌ للغاية، عليه أن يفهم قاعدته: أي شيء يمتّ له، أي للعمل، بصلة هو محطّ أنظار. سواء أكان صورة، تسجيلاً، شريطاً، صورة رديئة، جيّدة، «وشّة»، من دون «وشّة». لا فرق. كلّه يساوي «ثروة». تماماً كأعمال درويش وسيناترا. هل يجب منع عرض فيديو ذي صورة رديئة لسيناترا تحت ذريعة «تشويه» العمل؟ هل يُعقل أن نطالب يوماً بإخفاء شريط مسرّب لدرويش، ولو على سبيل الخيال، تحت ذريعة تشويهه لأغنية «أهو دة اللي صار»؟
بعضهم سأل ما جدوى العرض؟ لمَ لا يكون السّؤال «ما جدوى عدم العرض»؟ لمدّةٍ طويلة خبّأ زياد صوَر الممثلّين. انفعالاتهم. وجوههم. ترك الأمر للمخيّلة. ليس بالضّرورة أمراً سيّئاً. لكن أن نرى تعابير وجه وحركات رامز (جوزف صقر) وهو يتلقّى قصيدة أستاذ أسامة (فايق حميصي)، إضافة للعمل؛ رؤية تلك المشاهد مكّنتنا من فهم سبب ضحك الجمهور في مقاطع لم نكن نفهمها سابقاً. رؤيتنا لزياد وهو يقول لجوزف: «لابس كورولّيه ولي» وهو يشير إلى أسفل قدمه. طريقة رقص ثريّا (نبيلة زيتوني). وجه زياد وهو غاضبٌ من الحالة. الخسّة الّتي يُخاطبها جوزف. غضب نجيب (رفيق نجم). الضّرب الذي لم نكن نسمع منه سوى القهقهة. طريقة تناول لطف الله (أكرم سريّ الدين) لحبّات الزيتون. تلك التفاصيل لم تشوّه العمل. بعد 38 عاماً من العرض، من الصعب أن تتعرّض المسرحيّة للتشويه.
قد تدخل إلى القاعة، وقد لا تدخل. قد تفضِّل مشاهدة الفيلم، وقد لا تفضِّل. لكنّك إن فعلت، ستدخل إلى هناك. ستُبقي عينك على الشاشة. تلك المشوَّهة الصُور. ستحاول ألاّ يفوتك تفصيلٌ في مشهد. ستضحك للعبارات. ستردِّدها مع اللقطات. ستتفاجأ عندما تظهر شخصيّة عكس التي رسمتها في مخيّلتك. قد تقول: «آآ أنور (أنطوان غرزوزي) مش ناصح؟». ستبتسم عندما تصيب الشخصية التي أمامك الرسم الذي في مخيّلتك. ستشعر بحنين. ذاك الحنين الذي يكرهه النقّاد. ذاك الحنين الذي يعتبرون أنّه يتعارض مع «الفنّ الأصيل». عندما تخرج، ستسمع صوتاً مألوفاً للغاية. ستلتفت إلى مصدر الصوت. سترى رجلاً كبيراً في السنّ يتحدّث بفرحٍ عن العمل. أليس هذا الخواجة عدنان؟ أليس «ستيريو»؟ ستسأله عن اسمه. سيُعرّف عن نفسه على أنّه «أرمني لبناني». وعندما تلحّ بالسؤال، سيقول: «خازاروس ألطونيان».
لا أحد فوق النّقد. زياد أحدهم. لكن، صبّوا النقد عليه في مكانٍ آخر. «بالنّسبة لبكرا شو؟» بعد 38 عاماً لا تحتمل النّقد. أمّا زياد، فسوف يبقى دائماً «رجل الصّوت». سوف يبقى دائماً صاحب العالم المسموع.