لن يحمل كتاب «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة»، للمفكر السوري جورج طرابيشي (ويصدر قريباً عن «دار الساقي»)، عنوان السلسلة المؤلفة من أربعة أجزاء في «نقد نقد العقل العربي»، والتي ساجل من خلالها نظيره المغربي الراحل محمد عابد الجابري. فهو لا يعتبر الجزء الخامس هذا، الرقم خمسة ضمن ذلك السياق الممتد، بل يراه أقرب إلى خاتمة منفصلة – متصلة لمشروع ضخم استغرق ربع قرن مما يسميه طرابيشي «الحفر» في التراث العربي والإسلامي. لماذا تغيب عنونة «نقد نقد العقل العربي»؟ يشرح طرابيشي ذلك، وهو الذي تنقل بين محطات فكرية عدة: من «الإيمان حتى التنسك» في المراهقة، إلى القومية العربية، فالماركسية التي كانت الوجودية مدخله النقدي إليها، إضافة إلى التحليل النفسي، لا سيما أنه ترجم العديد من أعمال سارتر وفرويد وهيغل ودوبوفوار، وغيرهم، في أكثر من مئة كتاب... حتى وصل إلى الابستمولوجيا.
لعل طرابيشي (71 عاماً) مقيم اليوم في المنهج الابستمولوجي، أو علم «معرفة المعرفة»، من دون أن يُنزل عن كتفيه حمولات «مصفّاة» استبقاها من المحطات السابقة التي مرّ بها ومرّت به. يكرر دائماً أن الجابري هو الذي أخذ بيده إلى الابستمولوجيا، لكنه يعتبر أنه هو أيضاً الذي صدمه بخطر الإيديولوجيا حين تكمن كخلية نائمة في «علم المعرفة».
ومن جهة ثانية، حين يحكي طرابيشي عن مفهومه لـ«الحفر في التراث»، وعن جدوى ذلك في تفسير وعينا المعاصر، فإنه يُشعر مُحاوِره بالكسب والخسارة في آن: كسب مُنقِّب في العقل العربي، لا يكلّ. وخسارة ناقد أدبي وضع عشرات الكتب في تحليل وتفكيك أدب نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ونوال السعداوي، والطيب صالح، وسواهم. فهو منذ انغماسه في نصوص التراث، ما عاد يقرأ الروايات والإبداع الأدبي عموماً، آخذاً، كما يشرح، بمقولة أبي حيان التوحيدي أن «النقد هو كلام ثان على كلام أول». غير أن تجربة طرابيشي السابقة والمبكرة مع الأدب تؤكد أنه اهتم، ذات يوم، بمظاهر معاصرة للوعي العربي، أي الروايات التي كانت ابنة مرحلتها. وقارب احتكاك هذا الوعي بأفكار من نوع الرجولة والأنوثة (السعداوي)، الله (محفوظ)، وعلاقة المستعمِر بالمستعمَر (صالح). فأينه اليوم من أحداث الماضي القريب، والراهن السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي؟ وهل باستطاعة التراث، وحده، تفسير زواريب العقل العربي والإسلامي المعاصر، وكيف ولماذا يعرف ما يعرفه؟
هكذا يتفرّع الحوار مع جورج طرابيشي... كُتب ويُكتب الكثير حول التراث العربي والإسلامي. والجابري نفسه ركّز على من اعتبرهم قمم هذا التراث، من مثل ابن خلدون وابن رشد والشاطبي وغيرهم من المغرب العربي دون المشرق، فرأى أن علينا الاستئناف من حيث توقف أولئك. في حين أنك كتبت أن ابن خلدون وابن رشد قد استؤنفا فعلاً في الغرب. والحال،

ماذا يمكن للاهتمام بالتراث أن يبيّن اليوم على صعيد الهوية ومكونات الوعي العربي، لا سيما بعد فترة من الانقطاع الفكري التي تكاد تكون عربية حصراً؟
أنا أقول إن التراث حقل لم يُفلَح بعد. واليوم، بعدما تجاوزت السبعين، أتمنى لو أني بدأت هذه الرحلة منذ مرحلة الشباب، ولم أنشغل بما انشغلت به في ذلك الوقت، ولو فعلت لكنتُ توصلت إلى أكثر مما توصلت إليه. لعلنا واحدة من أكبر الأمم التراثية في التاريخ البشري، والإنتاج التراثي هائل، لا يمكن لشخص واحد أن يحيط به، وطبعاً أقصد كل التراث: السنّي والشيعي، والفلسفة، والفقه، وكتب الحديث، فضلاً عن الأدب والشعر.
فمثلاً «بحار الأنوار» للمجلسي، وهو من الشيعة، يقع في 110 أجزاء، وكل جزء يتألف من أربعمئة إلى ستمئة صفحة. و«تاريخ دمشق» لابن عساكر يقع في ثمانين جزءاً.. هذه ليست كتباً، بل موسوعات. لذلك فإن الحفر بالكاد تجاوز الطبقات الأولى.. لكن أليست هناك حدود لما يستطيع هذا التراث كشفه أو تفسيره بشأن طبيعة العقل العربي المعاصر؟ ماذا عن التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المجتمع والأفراد؟ أنا لست عالم اجتماع ولا مؤرخاً ولا محللاً سياسياً، هذه ليست مهمتي... وماذا تقصد بالحفر؟ أقصد اكتشاف بواطن غير مكشوفة ظاهرياً للنظر.. أنقول إذاً اللاـ وعي الخاص بالتراث، وأنت الذي أقمت طويلاً في «قصر وسجن» التحليل النفسي الفرويدي بحسب تعبيرك؟ ربما، نعم.. فهناك جزء مغمور، قد لا نصفه بـ«اللا-شعور» بالمعنى الفرويدي للكلمة، لكنه محكوم بآليات لا-شعورية. فمثلاً، حين قرأ الشافعي النص، ما كانت «نظاراته» لتتيح له أن يقرأ غير ما قرأ. أما نحن، فقد أتيحت لنا المناهج الحديثة كلها، وتراكم الدراسات التراثية، مضافة إلى الثورة التكنولوجية، والمنهجيات الحديثة، هذه حضارات أقوى بما لا يقاس مما تسنى للشافعي، أو مالك ابن أنس، أو حتى الجاحظ... تراث وحداثة - أنت تعتبر أن العقل العربي ما زال مشدوداً إلى التراث «بألف آصرة وآصرة»، في حين أنك اليوم تطرح حلولاً لإشكاليات معاصرة من قبيل العلمانية التي طرحتها حلاً للنزاعات الإسلامية – الإسلامية. وفي التاريخ نزاعات وقعت بين أبناء المذهب الواحد (الشافعي والحنفي، على سبيل المثال، وهما مذهبان سنّيان تقاتلا في إيران في أوخر العصر العباسي)، وليس فقط بين مذهبين من دين واحد (كالسنّة والشيعة)، فيما العلمانية فكرة حديثة.. * نحن بين ضفتي نهر، لا نستطيع أن نسبح إلا بذراعين ممدودتين في الاتجاهين المتقابلين.. عندنا انتصارات الحداثة كافة، والتي تمت في الغرب، وهناك ضفة التراث العربي الإسلامي .
قد يشدنا التراث إلى الوراء، فإما أن نرجع معه، وإما أن نتخذ منه عَتَلة للقفز إلى الأمام بقدر ما نربط هذا التراث بالحداثة ونقرأه بعيون حداثية بدل القراءة التراثية للتراث... تحدثنا عن النزاعات حتى ضمن المذهب الواحد... لكن الأسباب تتغير، وهناك فرق بين العصر العباسي والعام 2010.. فلماذا تتكرر تلك النزاعات؟ ولماذا لا تقدّم في كتاباتك هذا النوع من الإجابات؟ أنا لا أنكر الجوانب الاقتصادية والسياسية والجغرافية في تفسير مثل تلك الظواهر. لكن النزاعات، على امتداد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، لم تتوقف يوماً. مثلاً، حروب الصحابة التي نشأت بين الامام علي بن أبي طالب والسيدة عائشة، ثم بينه وبين معاوية...
الإسلام ظهر في مكة، ثم انتقل إلى المدينة حيث بُنيت النواة الأولى لدولة، فجاء معاوية إلى دمشق – مدينة النصارى. لما صار الخلاف مع علي بن أبي طالب، انتصر نصارى دمشق لمعاوية، قبل أن يؤسس العباسيون عاصمة جديدة في بغداد. ثمة نصوص تقول إن نصارى دمشق نزلوا الى شوارع المدينة حاملين أربعين ألف إنجيلاً انتصاراً لمعاوية. دعيني أطرح سؤالاً: كيف قضي على المعتزلة في الإسلام؟ كيف هُزم أولئك الذين مثلوا أعلى نصاب للعقل في الإسلام؟ هذا سؤال كبير ما زلنا نبحث فيه.
اليوم، في الدراسات التقليدية، يكفّرون المعتزلة، وقد أبادوا تراثهم بالفعل، وما عدنا نملك هذا التراث إلا من خلال الردود عليهم، وليس من خلال نصوص أساسية، إلا المتأخر منها.. من هنا أقول إن الحفر في التراث مهمة يقتضيها عصرنا.. فما زالت «فدك»، القرية التي أخذها الرسول فتحاً وكان يفترض أن ترثها ابنته فاطمة، ثم جاء أبو بكر وحرمها منها، ما زالت «فدك» الى اليوم موضوع خلاف في العراق، فهناك من يدافع عما فعله أبو بكر، وهناك من يلعنه لأنه حرم ابنة الرسول من إرثها.. لكن أليست هذه العناوين اليوم خيمة لصراعات أخرى؟ نبدأ من الثورة الإسلامية في إيران، ثم نظام صدام حسين، ولا ننتهي عند الاحتلال الأميركي... طبعاً، لكن هذه الخيمة ليست كاذبة، ما زالت فاعلة وفعالة. خذي مقتل الحسين... ما حدث في إسلام التاريخ، وليس في إسلام الرسالة، وأنا أميز تمييزاً كبيراً بينهما، أنه لا نبي في تاريخ الأنبياء اضطهدت أسرته كما اضطهدت أسرة الرسول، بل كما أبيدت. وقد عدّد الأصفهاني، صاحب كتاب «الأغاني»، في كتابه «مقاتل الطالبيين»، حوالي 320 شخصاً من سلالة الرسول قضوا قتلاً.. هذا كله ولّد عقدة ذنب هائلة عند القتَلة لأنهم قتلوا، وعند الأنصار لأنهم لم ينتصروا لمن قُتلوا... يردنا هذا إلى كونك من أشرس المدافعين عن العلمانية كخيار لفك الكثير من نتائج تلك النزاعات، وغيرها، في سياق الدولة والمجتمع الحديثين.. لكن هل الدين حاضر إلى هذه الدرجة في خيارات الناس؟ لماذا لا نفكر أنه يمكن للناس بناء خياراتهم وفقاً لمصالح ولأطر أخرى ربما تكون عقلانية، وإنهم في حال لم يتخذوا خياراتهم بهذه الطريقة فإن النقص لا يكمن في فصل الدين عن الدولة وحسب، بل أيضاً في الافتقار إلى تجارب تهيّء لبناء هذا النوع من التفكير في الذات الفردية والمجتمعية؟ سأجيب بفكرة جدّ بسيطة إنما جدّ نافذة.. في عصر النهضة اكتشف النهضويون العرب، أواخر القرن التاسع عشر، واقعة التقدم الأوروبي، فقالوا لا بد أن ننتفض ونخلع عنا نير عصر الانحطاط. حاولوا التقدم نحو الغرب، وتلمّس آليات تقدّمه بغية استقدامها.. هذا ما أسميته في أحد كتبي «الجرح النرجسي» أمام انكشاف واقع تأخر الشرق آنذاك، والذي خلّفته الحملات النابليونية على بلادنا.. ثم بعد هزيمة حزيران 1967، وقعت الرضّة، ثم الردّة الكبيرة إلى الوراء. يكفيِ أنه بعدما كانت النساء تناضل لنزع الحجاب، صرن يناضلن اليوم من أجل ارتدائه! من هنا، كان النهضويون علمانيين، وطرحوا شعار العلمانية، أحياناً بأشكال مبطّنة، وفي أحيان أخرى بالاسم مباشرة، كما فعل أحد كبار المفكرين الأتراك، ولي الدين يكن، ناهيك عن العلمانيين الأتراك الذين صنعوا ثورة أتاتورك فسبقوا النهضويين العرب إلى العلمانية. لقد قلبت الردّة، ومعها صعود التيار الإسلامي، عصر النهضة، وهي تهدد بعودة قرون وسطى جديدة، ومن ثم بانفجار الصراعات الطائفية، نتيجة تداخلات السياسة في المنطقة، والحروب الأهلية كما في لبنان والعراق وإيران حيث ثمة مشكلة كبيرة بين الغالبية الشيعية والأقلية السنية. في تركيا أيضاً وقعت حوادث عنف بين الغالبية السنية والأقلية العلوية، وهي أقلية كبيرة جداً.
وهناك الحرب اللبنانية، والحروب الكامنة في مصر بين أقباط ومسلمين، وغيرها.. وغيرها.. يعني المنطقة مهددة بانفجار أكبر بكثير مما حدث في الماضي. أصلاً الحروب داخل الإسلام بين السنّة والشيعة لم تتوقف... العلمانية فماذا عن الطائفية كموضوع؟ ألا تعتقد أنه قد حان الوقت لمقاربتها بأدوات معرفية ونظرية خاصة بها؟ ففي العموم، ما زال المراقِب يشعر بأن «الطائفية» اختبأت، ولا تزال، تحت طبقات من الخطاب الشيوعي، القومي، الوطني، أو العلماني، وما إن تترقق هذه الطبقات، حتى تطل الطائفية برأسها مجدداً، وبقوة... الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الأحزاب التقدمية، من الشيوعي إلى البعث العربي الاشتراكي وغيرهما، أنها، ورغم طرحها لنفسها كعَتَلة للتقدم، فقد تحاشت الصدام مع الجماهير العربية التي ما زالت جماهير مؤمنة، وفي ذلك تتجلى انتهازيتها – الواعية أو غير الواعية. ما زال هذا الموضوع من المواضيع المسكوت عنها. برزت بعض الدراسات الخجولة لكنها ما زالت غير كافية. يكفي أننا مثلاً لا نعرف بالضبط عدد الأقباط في مصر، أو عدد السنّة في إيران، ناهيك عن الأقليات الأخرى كالعلويين أو الدروز أو الاسماعيليين، والتي غالباً ما لا تحظى حتى بالاعتراف بها كأقليات، فيتم إلحاقها بغيرها من الطوائف الكبرى.
وهناك التعددية الإثنية: فقضايا البربر في المغرب مثلاً لا تطرح اليوم على بساط البحث، كما لم تطرح الأحزاب من قبل قضايا الدين والطوائف في المجتمع المشرقي. دعيني أذكّر بأن الأحزاب الثورية كانت تستخدم مصطلح «حرق المراحل»، لنقل في خمسين عاماً، للحاق بركب التقدم في الغرب فيما احتاجت أوروبا إلى خمسمئة عام لتصل إلى ما هي فيه. هكذا، حرقتنا تلك «الثورية» وحرقت نفسها، وبرأيي أن الأفق المتاح أمامنا الآن لا يقل عن مئة عام وربما مئتي عام كي نعوّض ما فاتنا.
أترى أنك قدمت تنظيراً كافياً لشكل الدولة المعاصرة والتي يفترض أن تشكّل ركناً أساسياً للعلمانية والحداثة؟ أم أنك تكتفي بـ«الحفر» في تطور الأفكار والمفاهيم؟
أنا لست فيلسوفاً سياسياً كي أنظّر لماهية الدولة. لكني، في دفاعي عن العلمانية، أقول إن المطروح على جدول أعمالنا اليوم ليس في العلاقات بين الأديان، لأن التشنجات كثيرة. أنظري إلى ما يحدث في السودان ومصر. والأخطر بكثير هي التشنجات داخل الإسلام نفسه، وتتدرج إلى إيران وباكستان وكان يمكن أن تمتد إلى الهند.. من يظن أن 150 مليون مسلم في الهند يقبلون بالتخلي عن العلمانية التي أتاحت لمسلم أن يكون رئيس جمهورية؟ فهل تتوقف الجماعات عن رؤية ذواتها كجماعات في ما لو كانت علاقتها مع الدولة مفصولة عن الدين؟ هي علاقة على صعيد المجتمع وليس فقط على صعيد الدولة، لأن العلمانية بتعريفها الأبسط هي فصل الدين عن الدولة، أي لا يجوز للدين التدخل في شؤون الدولة، ولا يجوز للدولة التدخل في شؤون الدين. نحن في المنطقة نعاني دخول الدين في قوالب وتحجّره فيها، في حين أنه لو تَعَلْمَن ونُزعت عنه السلطة السياسة لعاد إلى روحانيته.. فكل ديكتاتوريي العرب، وما أكثرهم، يوظفون الدين في خدمة الديكتاتورية... صحيح، لكن العلمانية قد تُوظف أحياناً في خدمة الديكتاتورية، إذ قد تستأثر الأقلية بالحكم وترفع العلمانية، استبداداً، في وجه الأكثرية العددية... أبداً، إن حكم أقلية من هذا النوع ليس حكماً علمانياً، فالأقلية التي تكون كذلك تقدم في الواقع أكبر التنازلات للمعسكر الأكثري ومؤسساته الدينية، مقابل سكوته عن احتكارها للسلطة السياسية. العلمنة هي حاجة دينية كما هي حاجة سياسية. سياسية مثلاً بمعنى تحرير القوانين، لا سيما الأحوال الشخصية، من ربقة الدين، ناهيك عن حق المساواة بين المرأة والرجل والإرث والأهلية القانونية... خذي مثلاً مسألة الرقّ: فلو أردنا تطبيق منزع غير علماني على الدولة لكان ينبغي على كل دولة عربية أن تقرّ بشرعية نظام الرقّ لأن الرقّ من وقائع الإسلام وأحكامه... ولماذا لا نحكي بدولة المواطنين المتساوين؟ الديموقراطية؟ ألا تفرز مثل هذه الدولة علمانيتها حكماً؟ هذا لا يغني عن الشعار العلماني في الإسلام المعاصر، وإزاء صعود الحركات الإسلامية خصوصاً. العلمانية حاجة سياسية، ودينية أيضاً إذ عن طريقها يمكن للدين أن يسترد بُعدَه الروحي... وكيف نُطَمئن الأقليات إلى أنها لن «تُلتهم» من قبل الأكثرية، وأنه سيبقى لها دور وحصّة في السلطة والقرار؟ فالموضوع ليس فقط في الحقوق والواجبات والقوانين التي تنظم شؤون الحياة والموت.. هذا سؤال جداً في محلّه، لذلك يجب أن نفهم أن العلمانية المتحالفة مع الديموقراطية ليست فقط صناديق اقتراع، إنما هي معنية أيضاً بصناديق الرأس، أي عقلياتنا. ففي مجتمع غير متعلمن سيؤدي التصويت إلى خروج أكثريات طائفية ودينية، فيصوّت المسيحي للمسيحي، والمسلم للمسلم. في مصر، يوجد ربما ثمانية ملايين من الأقباط – علماً أنه لا رقم رسمياً عن عددهم – وتضطر الدولة إلى التدخل لفرض نواب لهم في البرلمان لأن النواب الأقباط لا أمل لهم بالفوز من خلال آلية التصويت والاقتراع. لقد كتبتُ كتاباً مستقلاً عن ثقافة الديموقراطية وقلت إنها تبدأ من العلاقات بين الآباء والأبناء، والأهم بين التلامذة والمربين في المدارس ابتداء من سن السبع سنوات. المعركة اليوم ليست مع الإسلام، إنما مع بدعة وهرطقة جديدة اسمها «الإسلام السياسي». لا وجود لكلمة «إسلامي» في التاريخ، كان هناك مسلمون وحسب. «إسلامي» كلمة إيديولوجية. نحن بحاجة إلى روحنة الإسلام بدل تسييسه، لأن هذا هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يعيش مع الحداثة. العلمانية هي التي تشق الباب الى إمكانية هذه الروحنة. وهنا أذكّر بموقف الكنيسة في فرنسا، وإلى حد ما في إيطاليا. فبعدما دخلت الكنيسة في صراعات عنيفة مع العلمانيين، اضطرت إلى التراجع، واليوم ثمة شرائح واسعة من الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية تتشبث بالمعادلة العلمانية. وذلك لأنها، بعد مسار القرون الوسطى، أصبحت كنيسة حديثة، ترضي المؤمن المعاصر، وقد عرفت الدراسات والكتابات اللاهوتية نهضة في المسيحية الغربية بالضبط لأن الكنيسة والدين تحررا من سلطة السياسة. كأنك بفكرة «صناديق الرأس» تقول إن هناك أمراً متصلاً بجوهر ثابت في المجتمعات العربية، وكأنه ليس شأناً سياسياً وتاريخياً متحولاً؟ أبداً، التاريخ لا يحكمه جوهر واحد. قد يبدو مسار التاريخ في العالم العربي وكأنه قد جمد في جوهر سرمدي، لكن هذا الجمود ليس نهائياً برأيي. المشكلة أننا مهددون بالعودة إلى القرون الوسطى، بعد فشل مشروع الحداثة العربية. وعندما أحكي عن صناديق الرأس، أقصد أن أبيّن أن الديموقراطية لا تتعلق بالدولة وحدها، بل بالمجتمع أيضاً، وربما أساساً. فلئن كانت الأنظمة العربية لا تتحمل انتخابات حرة، فالمجتمع أيضاً لا يتحمل رأياً حراً. هذا بحاجة إلى تحول بطيء، على مدى عشرات وربما مئات السنين، تتضافر خلالها جهود النخبة ويكون للانتلجنسيا العربية دور في تهيئة مناخ الدولة والمجتمع معاً. وأهم ما في المجتمع المدرسة، فمنها تبدأ التربية على الديموقراطية. ويجب أن تكون كل هذه العملية متواقتة، بين العلمانية والديموقراطية. الانقلاب هل تعتبر أنك رسمت «خريطة جينية» للعقل العربي؟ أنا لا أستطيع أن أقول ماذا رسمت. منهجي مع التراث هو الحفر في العمق، أركيولوجيا في البحث التراثي. في البداية قرأت ما يناهز المئة كتاب، ثم وصلت إلى حوالي ألف كتاب في التراث. وكلما عشت النص الذي أعمل به، انعقدت لي معه علاقة أكثر غنى وتشابكاً. حتى كتابي الجديد، وهو الآن قيد الإعداد للنشر، سيتجاوز الستمئة صفحة. هو الكتاب الخامس الذي لم تضع له العنوان الجامع للأجزاء الأربعة السابقة، أي «نقد نقد العقل العربي».. لا، لن يصدر بعنوان السلسلة لسبب بسيط، وهو أني في الجزء الرابع، أي «نقد نقد العقل العربي: العقل المستقيل في الإسلام»، درست كيف تصور الجابري مأساة هزيمة العقل في الإسلام، وهو ردّ ذلك إلى غزوة خارجية، أسماها الهرمسية، والغنوصية، والأفلاطونية المحدثة بطبعتها المشرقية. في حين شبهت هذه النظرية، بدوري، بحصان طروادة الذي تسلل إلى معقل الفكر الإسلامي، ودمّر ذلك العقل من داخله. وفي هذا الكتاب الخامس والأخير أردت أن أتعمّق في الآليات الداخلية لأفول العقل في الإسلام. هنا اكتشفت أن الجابري لا حضور له، ليست له إشكالية يقولها، انتهى «حواري» معه. قد أشير إليه في نص عن ابن حنبل أو ابن حزم أو الشافعي، لكن ليس أكثر مما قد أستشهد بنصر حامد أبو زيد، أو فهمي جدعان. ماذا تقصد بمصطلح «الانقلاب السنّي» الذي علمنا أنه يرد أكثر من مرة في كتابك المرتقب؟ وما علاقته بالإصلاح؟ المقصود هو الانقلاب الذي جعل من السنّة، أي الحديث، قرآناً بعد القرآن، بل حتى قرآناً قبل القرآن في بعض الحالات المتطرفة. هناك انقلاب الشافعي في أواخر القرن الثاني للهجرة، ثم ابن حنبل في أواخر القرن الثالث. وبعدما كان هناك فريقان قرآنيان: الخوارج كفرقة سياسية، والمعتزلة كقرآنيين بالفكر، تمت تصفية الأخيرين في انقلاب الخليفة القادر بالله في القرن الخامس.. المهم أنه، كما أن الغرب أحرز تقدمه بعد التحول من مسيحية الكنيسة إلى مسيحية الإنجيل، عن طريق ثورة مارتن لوثر، فالإسلام بحاجة إلى «لوثر» مسلم، بل لوثر جماعي إن جاز التعبير، من أجل الانتقال من إسلام التاريخ إلى إسلام الرسالة. فمن خلال توظيف مفهوم ابن خلدون عن النشأة المستأنفة، بما تنطوي عليه من معنى القطيعة والاستمرارية في آن معاً، يسلط كتابي الجديد ضوءاً باهراً على عملية إعادة تأسيس الإسلام القرآني في إسلام حديثي، وذلك مع التحول الموازي من إسلام «أم القرى» إلى إسلام الفتوحات. ففي حين ركّز إسلام الصدر الأول كل مجهوده «الإبستمولوجي» على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول، فإن إسلام القرون التالية قد صرف كل جهده بالمقابل إلى تثبيت السنّة، أي الحديث المنسوب إلى الرسول، في نص مؤسس ثانٍ. والخطورة في هذه النقلة في المرجعية تتمثل أولاً في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي: ففي القرآن لم يكن هناك من مشرِّع سوى الله، لكن مع الحديث لم يُحوَّل الرسول إلى مشرِّع فحسب، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه نصّبوا أنفسهم مشرِّعين للرسول كما الله. هكذا، تواضع أهل الحديث والفقه على اعتبار السنّة، كالقرآن، تشريعاً إلهياً متعالياً، فانعتقت السنّة وأحكامها من شروط المكان والزمان، وصارت مُلزِمة للمكلّف - كما يقول ابن حزم - «إلى يوم القيامة». وهذا ما حكم على العقل العربي الإسلامي، ابتداء من القرن الخامس الهجري، بالانكفاء على نفسه، وسدّ عليه الطريق إلى اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم وما يستتبعانه من تغيّر في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي، بل إن هذا ما أسّسه أخيراً في ممانعة للحداثة. أخيراً، ماذا بعد اختتام مشروع «نقد نقد العقل» العربي؟ أمضي إلى الخيار المتاح لنا اليوم، برأيي، وهو التمييز بين الخروج من الدين والخروج على الدين. لا ضرورة لنزع الإيمان، لأنه طالما هناك موت، وطالما أن الإنسان لم يقهر الموت، فسيبقى الله موجوداً. إنما، في كل ما يتعلق بالعلم والبحث العلمي، لا بد من الخروج من الدين. سأنتقل إلى مشروع جديد ينطلق من «كوبرنيكوس» في العالم العربي والإسلامي، إذ أرى أننا نمر بـ«كوبرنيكية مضادة» (وكوبرنيكوس هو عالم الفلك البولندي الذي قال، في أواسط القرن السادس عشر، بأن الأرض ليست المركز الثابت للكون، وأنها هي التي تدور حول الشمس، وقد حوكم غاليليو غاليلي بعد سنوات بتهمة «الكوبرنيكية» وتالياً الهرطقة). فخلال عملي على التراث تجمّعت لدي معطيات كثيرة من نوع فتاوى ابن باز، فتاوى ضد داروين، كتب في تكذيبه، وأخرى تفتي في أن الشمس هي التي تدور حول الأرض.. لقد كتب كانط حول «الدين في حدود العقل»، وأفكر في أن أستلهم منه عنوان «العلم في حدود الدين» لأكتب عن النظريات العلمية الحديثة التي تُرفَض باسم الدين، وإن زعمت المؤسسة الدينية أنها ليست ضد العلم. فباب الرفض في المؤسسة الدينية السائدة اليوم لا يقتصر على إنكار نظريات داروين وكوبرنيكوس، بل يمتد الى الطب وعلم الأجنّة والأرصاد الجوية. بل كتب طيار سوري، مؤخراً، كتاباً قدم فيه واحداً وعشرين «دليلاً علمياً» على أن الأرض ليست كروية! في الغرب أعادوا تفسير الدين بما يتــناسب والنصوص العلمية، واعتذرت الكنيسة عن موقفها. أما في العالم الإسلامي فكان الإعجاز البياني للقرآن، سابقاً، هو الأكثر حضوراً، لأن البيان كان هو الوجه الطاغي في تلك الأزمنة الأدبية، فكان الإعجاز البياني هو الدليل على أن القرآن إلهي المصدر. أما الآن، في عصر العلم، فقد انقلبت المعايير، ولأن نظــرية الإعجاز البياني ما عادت تفي بالغــرض ولا تجذب الناس، اخترع الديماغوجيون الجدد نظرية «الإعجاز العلمي في القرآن».