في زيارتي الأولى لمكتب «شباب»، قال لي المسؤول السابق عنه إبراهيم شرارة: «اعتبر الملحق مختبراً لك. مختبراً للكتابة، جرّب ما تشاء في الشكل كما في المضمون. ، ولا تسأل عمّا إذا كان هناك أمرٌ ممنوع، فكل شيءٍ متاح».
من يومها علقت عبارة «مختبرٍ للكتابة» في ذهني، وصرت أستعملها في بداية حديثي مع أيّ قادمٍ جديد للكتابة معنا.
ثمانية عشر عاماً مرّت منذ أن أطلق رئيس التحرير الراحل جوزيف سماحة الملحق في تمّوز من العام 1998. ثمانية عشر عاماً مرّ «شباب السفير» خلالها بمراحل كثيرة وتغيّرات متعدّدة: من صفحةٍ إلى صفحتين، ومن الخميس إلى الأربعاء، ولاحقاً من الورق إلى موقعٍ إلكتروني، ثمّ موقع إلكتروني أحدث، وأسماءٌ كثيرة لا مجال هنا لتعدادها، بدأت من هنا، وانطلقت إلى أماكن أخرى، إن كان في الصحافة أو في مجالاتٍ أخرى. ثمانية عشر عاماً صنع فيها الشباب الملحق وصنعهم، غيّر فيهم الكثير وغيّروا فيه. فتح لهم باب النشر، الذي كان شبه مغلقٍ أمامهم، كما فتح لهم الباب أمام صداقات وعلاقات ومعارف كثيرة. أنشأ «شباب» ما يشبه مجتمعاً خاصاً بكتّابه، رابطاً يصلهم جميعاً ببعضهم البعض، قبل أن يلتقوا، ودون أن يلتقوا يوماً ربّما. أحاديث ونقاشات لا تنتهي، في أوقات اللقاء في المكتب، أو عبر الإنترنت. قد تبدأ بجدوى الحياة ولا تنتهي عند السخرية والانتقاد لمقالٍ نشر في الملحق نفسه.
قضينا الأسبوع الماضي بالتفكير بما سننشره في عددنا الأخير، بعد قرار توقّف «السفير» عن الصدور نهاية العام. فكّرت، حالي كحال معظم من مرّوا هنا، ممّن بدؤوا قرّاءً للملحق قبل أن يصيروا كتّاباً فيه، أنّ هذا المكان منحني متعةً في فعل الكتابة لم أعتدها قبلاً، في الأوقات التي تسيل فيها الكلمات كنهر، وفي الأوقات التي يستعصي عليك فيها تركيب جملةٍ مفيدةٍ واحدة. لذا، وبعد التفكير والنقاش والتشاور، قرّرنا أن نحاول في عددنا الأخير الإجابة عن الأسباب التي دفعت بنا إلى «شباب»، بمعنى آخر قررنا أن نجيب عن سؤال صعب، وله تفرّعات واحتمالات لا نهاية لها، يمكن اختصارها بكلمتين: «لماذا نكتب؟».
بطبيعة الحال، اختلفت إجابات الكتّاب وتنوّعت، لكنّ الجامع الأساسي بين الرسائل التي وصلتنا واحد: المتعة، التي ستستمر معنا، ولو توقّف الملحق الآن، في صحف ومواقعٍ أخرى ربما، أو على مدونة شخصية أو على حساب «فايسبوك»، أو حتى على دفترٍ شخصيٍ لا يراه أحد.. من يدري؟
كانت الكتابة هنا في البداية غايةً قائمةً بذاتها، ومع الوقت غدت وسيلةً لنتعرّف على عوالم وأفكار وأشخاص جدد، وعلى أنفسنا حتى. لم تكن جميع أعدادنا مميّزة، ولا جميع المقالات التي نشرناها جيّدة، لكنّ «شباب السفير» أعطانا شيئاً أساسياً لم نكن لنستطيع الحصول عليه في أيّ مكان آخر: متعة الكتابة.

نشر هذا المقال في العدد الأخير من ملحق "شباب السفير" في 27/12/2016