ليست هزيمة هذه، إنها الأمة في أفولها.
تتوقف السفير وتسدل الستار على فصولٍ لم تنتهِ من قصتنا الممزوجة بالملح. ونتوقف معها عن اللهاث وراء مستقبلٍ لم يَعُدْ يَعِدْ.
 تعطش الشام، تغور فيجتها في الأرض ويتدفق بردى مهدوراً كدماء أهله، لا يروي ويزداد العطش. مياه الليطاني آسنة، لوثها الإهمال والفساد. النيل تعبٌ من منبعه، يضمحل على وتيرة اضمحلال سيادة دولة العرب الكبرى. الفرات يجاريه فتقام السدود غير عابئة بأهل الأرض، تحجب مياهه وتساوم الأحياء على عطشهم. قبلهم جف نهر الأردن وتملحت الأرض... وقبل الكل انهار سد مأرب، هل من يذكر بلاد مأرب؟
محاصرون في عيشنا، في مياهنا وفي بلادنا. نحترف اللوعة، ونجف مع اليباب الذي يكتسح الحواضر. يقتل بعضنا بعضه الآخر، ويرقص نصفنا جزلاً على موت نصفه المشلول أصلاً. نغني أهازيج النصر حيث لا انتصار، ونعد بالانتقام علّه يعطينا طاقة للبقاء. إنه الأفول، أفول أمة فشل ساستها في الحفاظ عليها. أمةٌ منتَهَكةٌ سيادتها ومسحوقٌ بشرها، فقدت ثقلها الاستراتيجي، لم تؤمن يوماً بإنسانها ولم تكن أمينة عليه.  النتيجة مزيج من انسان يرفع رأسه في لحظة كرامة فتنهمر عليه الطلقات من اليمن إلى البحرين حتى سوريا قِبلَةُ المآسي، ومزيج من حروب قديمة تستولد حروباً أجد تنهل من مخزون القبيلة.
هو الأفول، شرس حقود، يحاصص  المقهورين والمشردين واللاجئين والنازحين على يومهم، يعّمر الجدران ويزيدها ارتفاعاً ، يتمترس خلفها مذعوراً، ليفرغَ  بهم طلقاته الأخيرة.
هل هناك نهاية أبشع؟ الشعب وحكامه "من نجدٍ إلى يمنٍ... إلى مصرَ فتطوانِ" فعل مبني للمجهول، يُفاوَض عليهم وباسمهم وهم غياب. يجتمع الرابحون على اللحم الحي، يصكون الاتفاقيات ويتقاسمون الغنائم، يقررون الهدن ولا عربي على مد البصر. ليست هزيمة هذه، انها اختفاء.
هي صورة العالم العربي في لحظة توقف السفير، وهو عالم شاركت به وحاربت ما استطاعت لتغييره. الأكثر ألماً أنها لم تتوقف لتفسح المجال أمام حريات أكثر اتساعاً أو لصحافة أكثر كفاءة، هي تختفي في زمن سطوة المال وسطوة القوة.
 قيل في الكلمة أنها  تحذير، نافذة وموقف، وهناك من يحولها إلى ندب وصراخ وارتهان للأقوى، فلتكن الكلمة  خارج الورق، كما يجب أن تكون، إذ لا يزال في الفضاء ما يتسع للكلام العابر في الزمن العابر.
لم أعرف السفير قارئاً فحسب، عرفتها  صديقاً واعتدت وجودها ضمن تفاصيلي، ثم كان لي حظ النشرعلى صفحاتها ولم أكن أرغب بأي منبرٍ آخر. كانت بالنسبة لي، امتداداً طبيعياً لقارئ حاول الإمساك بالقلم. هذه التجربة التي سأحتفظ بفخرها، تجعل مني ضمن أسبابٍ عديدة أخرى، شريكاً للسفير، يكتب منها لا إليها.
قد يكون الأوان قد حان لزمنٍ آخر، زمن التأريخ للمرحلة التي عايشتها السفير بتفاصيلها. فالكتاب يبقى، وتبقى الشهادة لنا وعلينا. هذا حقنا كقراء، وهذا مطلبي من السفير: أن تؤرخ الحكاية بعد أن تكون قد تحررت من عبء اليومي و مالا يحتمل التأجيل.        
ماذا تبقى لكم؟ قالها غسان كنفاني ثم سقط مضرجاً بدمه. ثم ناجي العلي وعبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس ومحمود درويش وجوزيف سماحة، وكل من آمن بالكلمة طريقا. ذهبوا وتركوا في الغياب متنفساً للباقين وإرثاً ننوء تحت ثقله ونقبض عليه كالجمر. ماذا تبقى لنا يا أصدقاء العمر؟ لم يعد لنا إلا قليلنا وهو اليوم كثير: بعضٌ من صداقة لم تلوثها الأيام، وبعضٌ من مودةً لا تزال على أُلقِ لحظاتها الأولى، وبعضٌ من حلم يكابد تحت أتربة الخراب والهزائم والقهر، وبعض من "على الطريق" حيث لا طريق. إليكم ومنكم أنا، و ما أنا عليه من عجز وحنين. باقٍ على الود وباقٍ على الطريق ولو مظلماً.