منذ 26 آذار وهي تصرخ: اعيدوا إليّ طفلي علي...
وانتظرت نايفة نجار حمادة، انتظرته في الأعياد فلم يعيّد، وانتطرته في الميلاد فلم يولد، وانتظرته أمام المدرسة وفي المكتب، وفي البيت، وسرحت في كل الاتجاهات تبحث عنه فلم تجده ولم تعثر له على أثر.
قصدت كل الناس والتنظيمات والأحزاب والحركات و»القوات»، وتوجهت بعشرات النداءات والبرقيات والبيانات، حرقت الإطارات في الشوارع، وحاولت ان تخطف لتستعيد ابنها فلم يعد.
زارت القصر الجمهوري واليرزة، واستصرخت ضمائر الأمهات والآباء والرؤساء والقيادات والوزراء وكل أصحاب الأمر والنهي، ولكن علياً لم يصل... ونايفة بين أيدينا تذوب لحظة بعد لحظة، تنتهي تدريجياً، تُضمر الموت ولا تُفصح عنه، وتعقد الأمل على عودة وحيدها وعمرها ومستقبلها ويتيمها الذي ربته في غياب والده. ونشأ على يديها وفي أحضانها إلى أن صار فتى يتوثّب الشباب إلى قسمات وجهه...
ولكن علياً لم يرجع، ونايفة لا تطيق الحياة من دون علي، ولا ترى مبرراً لها، فآثرت أن تنتهي وفي يقينها أنّ علياً ما زال حياً، تارة تتصوّره يكبر في إحدى زنزانات الخاطفين، وتارة تراه بين أيديهم يسحبون دمه أو يجرّونه للسّخرة ويحمّلونه ما لا طاقة له على حمله، فأرادت أن تهرب من خيالها، من الألم اليومي الذي يُضنيها ويعذبها ويقهر عيشها.. فماتت نايفة النجار، أول شهيدة لأهالي المخطوفين، وأول شاهدة على الظلم الذي يقترفه الخاطفون بحق الأبرياء والبسطاء والمعذّبين في وطنهم.
نايفة، أم علي، رفيقتنا في «السفير» وضعت حدّاً لحياتها ليل أمس... لا ندري لماذا اختارت هذا التوقيت، ولا ندري إذا كان قد نغّص عيشها في زمن يستطيع فيه الكبار أن ينقذوا أبناءهم وبناتهم من براثن المجهول، ولا ندري إذا كانت قد يئست من الليل والنهار، من الدموع والتوتر، من الأمل والمستقبل... ولكنها بالتأكيد اختارت التوقيت لأسباب هي تعرفها، فقد يكون اليوم هو ذكرى ميلاد علي، فهل تطفئ له 13 شمعة أم 14 شمعة؟... ضاعت نايفة، فأطفأت نفسها.
«السفير»، ٢٧/١٢/١٩٨٤