من «ألريل وحمد»، الذي كتب بالعامية العراقية، إلى «المسادرة أمام الباب الثاني» و «وتريات ليلية»، وقصائد مظفر النواب تنبثق باستمرار من قلب هزائمنا وانتصاراتنا. في هذا الحوار نستعيد مع الشاعر مظفر النواب مسيرته الشعرية.
÷ هل بقي في قاموس الشتائم العربية شتيمة لم تستخدمها في شعرك ضد الحكام العرب، وهل ما زالت لديك قدرة على الشتم؟
{ أعتقد أن الحكام العرب هم شتيمة أكبر من أي شتيمة. لقد شتمونا بكل تصرفاتهم. وشعري لا يقتصر على جانب الشتيمة. الشتائم تمثل جانباً قليلاً منه، أما الجانب الآخر فهو الذي يتناول القضايا الجمالية الإنسانية، وقضايا الجماهير. لنعد إلى الشتيمة التي أطلقها بحق الحكام. في الواقع هي أقل ما يمكن فعله.
÷ الذي يدرس حركة الشعر الحديث ويقرأك بتمعن يلاحظ أنك تتطور منفردا، وبمعزل عن حركة الشعر نفسها، ألا يصيبك الإحساس أحياناً بأنك بعيد عن «التجربة المشتركة» عن «الصياغة المشتركة» للتجارب الشعرية الحديثة.
{ لا أؤمن أساساً بلغة مشتركة، أو مصطلح مشترك للشعر أو تجربة واحدة. يجب أن يكون لدى كل شاعر تجربته.
÷ أضفت ظاهرة جديدة للشعر العربي أو بالأحرى لأسلوب انتشار الشعر العربي هي ظاهرة «الكاسيت» ويلاحظ أنك قليل النشر، هل أغناك الانتشار عن طريق «الكاسيت» عن الطباعة والنشر؟
{ هذا صحيح. ظاهرة انتشار شعري مسجلاً على أشرطة حل بالنسبة لي أشكالاً كبيرة هو أشكال الرقابات، فالشريط المسجل يمكن إدخاله عبر أي مطار دون أن يتعرض للرقابة. يضاف إلى ذلك أن شعري بهذه الطريقة قد وصل إلى أناس لا يقرأون ولا يكتبون. ولكن هذا لا يغني عن المطبوع. قراءة الشعر مطبوعاً تمثل المتابعة الأدق التي تعطي نوعاً من النشوة والحس الجماعي يضاف إلى ذلك أن قراءة الشاعر مطبوعاً تساعد على الإحساس بشكل أفضل بعالمه الداخلي الصحيح.
ولهذا فإن قضية طبع الدواوين مسألة ضرورية والنشر عبر الصحافة ضروري ولكن السؤال لو طبعت دواويني أين أوزعها؟ لقد طبعت ديوانين ولم توزع في العالم العربي، منعت في معظم الدول العربية. أما الصحف فهي ملك للأنظمة. وهذه لا تجرؤ على كتابة مقالة عني، ولا على نشر قصيدة لي لأن لديّ موقفا واضحا من الأنظمة.
÷ إنك خارج العراق، الرحيل تحول إلى حياتك أو تحولت حياتك إلى رحيل منذ عام 1967 وأنت تركب سفينة الرحيل، أليس لديك حنين لبغداد؟
{ الحنين... نعم ولكنّ هناك قمعا اضطراريا لهذا الحنين، محاولة للهروب منه لأن استيقاظ الحنين مدمر ومدمر. أمارس الهروب من الذات؟ نعم أمارسه. الفترات الأولى كانت قاسية لأنني كنت قد تركت العراق حديثاً، والآن أصبحت أكثر قدرة على قمع حنيني لأنني لو أطلقت له العنان فسوف يدمرني، أبحث عن العراق من خلال شعري وأجده، ويعزيني ذلك ولكن ما بين فترة وأخرى يستيقظ العراق مارداً في دمي ويهزني في الليل ليوقظني. أبدأ الأسئلة، وأبدأ بأول الأسئلة وآخرها: إلى متى؟! إلى متى والواقع العربي يشجع كثيراً على طرح هذا السؤال فهو رديء في كل مكان.
(من حوار أجرته حميدة نعنع ونشر بتاريخ 29/5/1983)