«إن قول الحق لا يدع لي صديقاً. وبعبارة أدق فإن ما أحسبه قول حق لا يدع لي صديقا» ربما تكون تلك العبارة من إحدى مقالات القاضي والمفكر والمؤرخ طارق البشري، هي أفضل ما يمكن وصفه بها. فسواء كانت أراؤه ومواقفه محل اتفاق أو اختلاف، وسواء رآها البعض تستحق الإشادة أوالنقد، فإنها لا تعبّر إلا عما يؤمن به بالفعل، من دون أي مواءمات أو توازنات.
ولد طارق البشري في القاهرة في مطلع نوفمبر عام 1933، لأسرة عريقة، فجدّه سليم البشري تولى مشيخة الأزهر، أما أبوه فكان المستشار عبد الفتاح البشري رئيس محكمة الاستئناف.
درس البشري القانون في كلية الحقوق جامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1953. وعيّن بعد تخرجه في مجلس الدولة وتدرج في المناصب القضائية حتى وصل نائبا أول لمجلس الدولة ورئيسا للجمعية العمومية للفتوى والتشريع، حتى أحيل للتقاعد عام 1998.
المستشار طارق البشري الذي وصل لمنصب النائب الأول لمجلس الدولة، حرم من تولي منصب رئيس مجلس الدولة الذي استحقه، وذلك، وفقا لرواية للكاتب فهمي هويدي في مقالة له عن البشري، بسبب مواقفه من السلطة وتحديه لنظام مبارك في أكثر من مناسبة. وذلك على نهج جده، سليم البشري، الذي تحدى الخديوي عباس حلمي عام 1904 برفضه إقالة أحد مشايخ الأزهر، وفضّل تقديم استقالته.
عرف عن البشري توجهه الإسلامي فكريا، ولكنه كقاض لم يكن يوجهه سوى القانون الذي كان فقيها فيه، والعدالة التي ظل أحد حراسها حتى تقاعد. وربما توجهه الإسلامي هو ما جرَّ عليه النقد، خاصة عندما تولى رئاسة لجنة تعديل الدستور في فبراير 2011، أي عقب ثورة يناير، واتهم على إثر ذلك بممالأة جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي، والذي حشد بكل قوته للتصويت بنعم على الإعلان الدستوري في آذار/ مارس 2011. الحقيقة أن البشري فعل ما رآه صوابا وقتها بغض النظر عن ردود الأفعال المحتملة، وليس أدل على ذلك سوى موقفه المعارض للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الإخواني محمد مرسي في نوفمبر 2012 والذي اعتبره تجاوزا لسلطات رئيس الجمهورية.
وعقب «30 يونيو 2013»، حينما كان التحريض والحشد على أشدهما ضد كل من يخرج عن التيار العام الجارف، اعتبر طارق البشري، بعكس ذلك التيار، ان ما حدث في الثالث من يوليو ليس ثورة بل انقلاب، وليس انقلاباً على حكم جماعة الإخوان المسلمين، ولكن انقلاب على ثورة 25 يناير وما أنجزته من ديموقراطية.
من يتأمل في مسيرته جيدا فسيجد أن طارق البشري المفكر والمؤرخ كان يقوده دائما القاضي الذي أعلى القانون على ما دونه.