لا يمكن فصل اندفاعة عبد الرحمن الأبنودي، شاعر الكلمة والأغنية والثورة والفلاحين، عن الأحداث السياسية والاجتماعية وأحوال الوطن العربي، منذ بداية الستينيات. عايش كبار السياسيين والفنانين، عبر حقبات تاريخية بالغة الدقة في حياة مصر، فتمرد شعراً، وأطرب الجماهير العربية كتابة ونصا، من خلال عشرات الأغنيات التي أبدعتها مخيلته، وأطلقتها حناجر عمالقة الفن كعبد الحليم حافظ ومحمد رشدي ونجاة الصغيرة ووردة وصباح وماجدة الرومي لاحقاً. وصار من أبرز شعراء العامية الذين اكتسحوا الساحة الشعرية العربية من دون منازع.

÷ تدافع عن نظام عبد الناصر رغم أنك كنت في الصفوف المعارضة له حينها؟
{ صحيح، واعتقلت سياسيا أنا والعديد من جيل الستينيات لان عبد الناصر كان في جانب وأجهزته البوليسية والأمنية في جانب آخر. فكانت الدولة دولتين، واحدة سياسية رائعة التوجه تحلم بمستقبل لكل الشعوب المضطهدة وتعادي الاستعمار والصهيونية بكل طاقتها. ودولة تخاف على مواقعها فتكمّ الأفواه وتقطع الأطراف والعلاقة بين الزعيم والطلبة، وهذا جاء من قلة خبرة هذه الأجهزة التي اعتمدت العسكريين من أهل الولاء للزعيم وذوي الخبرة السياسية الضيقة، ما أفضى إلى خلق هذه المسافة بين المثقفين في تلك الفترة وبين الحقبة الناصرية.
كنا في معتقلات الفيوم والواحات غيرها نغني عبد الناصر بصوت مسموع على نوافذ السجون وخلف قضبانها لإيماننا الحقيقي بالرجل، ورغم ذلك لم يشفع لنا هذا الإيمان. وقد أمضى رائد شعر العامية في مصر فؤاد حداد، الذي كان يتغنى بأمجاد عبد الناصر، خمسة أعوام في المعتقلات في عهد الزعيم معزولا، وهي أبرز سلبية كانت في عهده، فما كان أحوجه لأمثال حداد وغيره لتعميق روابط الثقة بين نظامه والجماهير. باختصار، لم نكن مع نظام عبد الناصر ولا ضده بل في حالة المع ـ ضد، وحين كانت القوى الرجعية تحاول النيل منه، كنا ننقل إلى صفه في الحال متناسين كل أنواع العقاب التي أنزلتها أنظمته بنا.
÷ كتبت عن السويس والصعيد وفلسطين، الى أي مدى يرتبط الشعر بمقاومة الشعوب ونضالها، وهل ما زالت اللغة الشــعرية الثــورية تحفز وتستنهض؟
{ نحن من جيل الستينيات الذين دفعت بهم الأحداث للكتابة. كان الوطن مرآتنا وكنا مرآته. وهي وظيفة شرفنا بأن علقت بنا حتى لو اعتبرنا البعض من أمثال الحداثيين وغيرهم متخلفين. عشت في قرية ارتبط فيها الغناء والشعر بالعمل، لذلك لم أفعل أكثر من إعطاء هذه الوظيفة طابعها العصري حين ربطت الشعر بنضال البشر.
لذا لا تتعجبي إزاء إقامتي عاما كاملا مع عمال السد العالي، أرصد تجربتهم ليس حبا بالكتابة بل حبا بهؤلاء، رفاق القرية والصبا. في ما بعد، كتبت ديواني الأشهر «جوابات الاسطى حراجي القط العامل في السد العالي الى زوجته فاطنة احمد عبد الغفار في جبلاية الغار». وكان ديوانا لا ينافسه إلا ديوان القضية الفلسطينية «الموت على الاسفلت» وقصيدتي الأخيرة «يامنة».
كذلك حفلت متاعي لأقيم نحو ثلاث سنوات ونصف سنة على شاطئ قناة السويس إبان حرب الاستنزاف لأردم تحت قنابل العدو مع الفلاحين وغيرهم ونحيا ونموت يوميا. لكنني أعتبرها أزهى فترات حياتي، فأنا لا أفهم أن تكون مصر أو حتى الامة العربية موجودة في مكان لا أكون فيه، وهذا ما حدث بالنسبة الى السد العالي وحرب الاستنزاف. ولذلك تجدونني اليوم في الجنوب اللبناني وليس في احدى المدن التي يقضي فيها الناس صيفهم عادة. لان غرامي الشديد دائماً كان بالناس في لحظة مقاومة، من الوقوف ضد فيضان النيل في الصعيد وأنا صغير، الى الوقوف ضد العدو الإسرائيلي في أي حقبة عربية.
ثناء عطوي، ٢٩/٧/٢٠٠٢