أمر صعب أن يصف الإنسان منزله للآخرين، ومع أنه يعرف تفاصيله كافة. فهو لا يحسن سرد هذه التفاصيل بشكل متسلسل ومنتظم كفاية. وإضافة إلى الحيرة التي تنتابه حول من أيها يبدأ لا يمكنه أن يستمر في وصف جانب ما حتى النهاية، إذ ان عشرات الجوانب الأخرى ترفض الانتظار وتكاد ان تستبق لسانه في الإفصاح عن نفسها.
«الأرض المعطاء»... «الزنود السمر»... «الجباه لشامخة» الخ..
مطالع قد تصلح عنوان قصيدة. أما عندما تكون في صدد تحقيق صحافي ـ اجتماعي يتناول الأرض والناس، فإن هذه الأوصاف لا تشكل مخرجا لكاتب، وانما عليه، أي الكاتب، اختيار تعابير ناشفة تماشياً مع ما يدعونه «الموضوعية»، والا فهو متهم بالانسياق في «الوجدان»، وكأن الذين يتحدث عنهم ليسوا بأهله و «ربعه»، وانما سكان قارة أخرى.
ان تكون حيادياً هو ما يزعجني في هذا التحقيق، فأنا لا اعتقد بأنه سيمكنني ان أكونه، فحتى الرسام الذي يتناول منظراً طبيعياً، او وجه شخص، لا يمكنه البقاء على الحياد، ومهما كانت لوحته واقعية سنجد فيها شيئا لم يكن في الأصل. هذا «الإضافي» لا ينعته أحد بالتزوير، لأنه، كما يقولون، ثمرة العلاقة بين الرسام والمرسوم، فكيف اذا كان المحقق ابن المنطقة موضوع التحقيق، ناسها أهله وتربطه بها وبهم وشائج قربى وعيش مشترك ومستقبل واحد.
أرض وناس في بقعة ما من هذا الوطن الكبير الممتد من المحيط إلى ما شاء الله. عيّنة من هذا الشرق الذي يوم ترسخت حضارته كان الآخرون لا يزالون يتسلقون الشجر. حفنة من تراب وبشر أصلها وفرعها السهوب والصحارى المنبسطة إلى منبت الشمس تحمل في جوفها مخزون تاريخ الخليقة وتتوثب على سطحها ممانعة حاضرة أبداً.
هذه الأرض وهؤلاء الناس: من هم؟ كيف يعيشون؟ ما هي علاقاتهم في ما بينهم؟ ما هي علاقاتهم بالآخرين؟
هذا ما سيكون موضوع سلسلة التحقيقات التي نقدمها حالياً، متناولين فيها جوانب الحياة في منطقتي بعلبك والهرمل. بتفصيل يشمل كل قرية وبلدة ومدينة، ونتطرق بإسهاب، في كل منها، إلى:
ـ التركيب الديموغرافي: توزع العائلات وأصولها، عدد السكان (حسب التقدير المحلي)، الهجرة والعودة.
ـ الوضع المعاش: الزراعة وتربية المواشي، الحرف والصناعة، التجارة والتهريب، الصحة، التربية، المؤسسات القائمة الرسمية وغير الرسمية.
ـ العلاقات الاجتماعية: العادات والتقاليد، الخلافات الداخلية والمحلية (أسبابها وطرق حلها)، الولاء السياسي: التاريخي والحالي.
أي، اننا نحاول تقديم صورة واقعية تتمتع ببعد تاريخي سريع للمنطقتين المذكورتين، بادئين من الشمال باتجاه الجنوب: من حدود قضاء الهرمل الإدارية الشمالية الغربية باتجاه الجنوب حتى نهاية منطقة بعلبك.
لتقديم هذه الصورة قام العاملون في هذا التحقيق بزيارات لكل قرية صغيرة، كانت أم كبيرة، على أرض تزيد مساحتها عن 3000 كلم2، أي ما يوازي ثلث مساحة لبنان. وأجروا خلالها مقابلات مع السكان والوجهاء والإداريين.
خلال فترة إعداد هذا التحقيق قطع العاملون فيه آلاف الكيلومترات وأجروا مئات المقابلات التي سجل معظمها على أشرطة، كما اخذوا مئات الصور للأرض والناس، كي تبقى هذه المقابلات وهذه الصور وثائق حية شاهدة على واقع منطقة ما في زمن محدد.
وقد اعتمدنا «الجغرافيا»، منطلقاً، أي اننا سنبدأ، كما ذكرنا سابقاً، من الشمال باتجاه الجنوب. والحلقات الأولى عن قضاء الهرمل.

سويدان ناصر الدين ـ ٣/٦/١٩٨٨