...«كان بيننا وبينهم بالضــبط أربعة أمتار ونصف! نحن الآتون من جامعاتنا وهم أهالي أرنون. وقفوا هــناك وأكــثرهم من النساء والأطفال. كان الأطفال يرفعون شارات النصر، أما النساء فكنَّ يقــمن «بواجب» الشكر لنا وكأننا ضيوفهن في منازلهن: «كتّر خيركم، الله يخلــيلنا اياكم». أما نحن فلقد كنا ننشد النشيد الوطني وبعــض الأغاني الحماسية. بعدين «بلشت».
ويتابع الطالب هاني دعيبس: «بدأت صيحات: منا من قال: شو هالمسخرة؟ أربعة أمتار ونصف بيننا، مجرد شريط يعزل أهلنا كلام من هذا القبيل.
وفي لحظة اقترح أحدنا أن نمد شريطا فوق الأسلاك نمسك نحن بطرف والأهالي بطرف تعبيرا رمزيا عن رغبتنا العميقة بالاتصال بهم. ثم اقترح شاب أن نكتب بيانات وأن نطوي الأوراق على شكل صاروخ ورقي نرسله إليهم..
في هذا الوقت، بدأت الحشود تتكثف. وكانت الساعة قد بلغت الثانية عشرة والنصف. ثم انضمت إلينا مسيرة من الأهالي عند الساعة الواحدة تقريبا. وكانت حافلات «اتحاد الشباب الديموقراطي» قد وصلت وانضم من فيها لزملائهم معنا كذلك القوميون، و«حركة طانيوس شاهين» و«الجمهوريون» و»التيار الوطني الحر»، وطلاب الجامعة اللبنانية.
وعندما وصل الجميع، إذ بحفنة من الشبان، حوالي خمسة أو ستة، طلائعيون فعلا «خلص ركبت عوجاء في رأسهم» وهجموا يريدون انتزاع اللافتات الصفراء التي كُتب عليها «احذروا الألغام». وعلت أصوات الجميع وأخذوا ينتزعون الدعامات الحديدية التي تربط الأسلاك الشائكة ثم هجموا على اللافتات التي كُتب عليها «الحدود أمامكم» وانتزعوها. عندها علت الصيحات فخاف الناس، وأخذوا يتراجعون وهم يصرخون، وحصلت بلبلة وسمعنا من يصيح: «راح يقوصوا الإسرائيلية علينا» كذلك بدأ الأهالي بالصراخ: «انتبهوا للألغام دخيلكم.. وقلعة الشقيف (حيث الموقع الإسرائيلي) لا تبعد أكثر من ألف وخمسمئة متر..
وعندما رجع البعض الى الخلف، تراجع معه، بقوة حركة الحشد حتى من لا يريد التراجع. وإذ بشاب يزيح الأسلاك الشائكة ويركض فجأة الى الجهة المقابلة.. الى أرنون!
ساد الصراخ وكأن لغما انفجر. وهو كأنه لا يصدق انه نجا من الألغام الوهمية، ركض عائدا، ثم ركض الى أرنون، ثم ركض عائدا لثلاث مرات. شيء رائع وغير معقول.. كأنه كان ينوي الموت ثم نجا، فأخذ يدخل ويخرج كالمجنون فرحا.
وعندما رآه الشبان الذين معه، وكانوا حوالي خمسة لحقوا به، فمشينا خلفهم.. أما الذين كانوا قد تراجعوا فاصطدموا بمسيرة دفعتهم الى الأمام لضيق الطريق. وعندما رأوا اننا في الداخل. تحمسوا وعادوا كلهم».
«هكذا، دخلنا أرنون»، يقول هاني. لكن نسأله: «مَن كان ذلك الشاب؟» ينظر هاني الى رفيقيه اللذين جاءا معه ليقصّا علينا تجربتهم: انطوان ماسه وفادي عميش، نظرة تواطؤ، ثم يضحك قائلا: «ما منعرف».
يقول فادي الذي يقيم في فرنسا والذي صادف وجوده في لبنان موعد التحرك: «لحظة الدخول كانت غير طبيعية، كان هناك نثار جنون في الهواء. الأهالي يصرخون ويبكون ويصيحون: يا أهلا بالشباب، أهلاً بأولادنا، الله ينصرنا. اختلط التصفيق بالزغاريد والدموع وساد جو من الفرح المجنون كان يخمد قليلاً كمن لا يصدق نفسه ثم يعاود. وفي لحظة قلت لنفسي وأنا أكاد أطير فرحا: «نحنا مجانين». أنظر الى طوني وأنا أقول لنفسي: أهذا هو الشريط الحدودي؟ البعبع الذي نسمع عنه منذ عشرين عاما؟ أهذا هو الشريط؟ «طيب» ها قد قصصناه كما في افتتاح.. لا ألغام كما تقول اللافتة الصفراء التحذيرية ولا شيء.. خوف ووهم»..
يعاود هاني الكلام: «فجأة، بدأ الرصاص يلعلع فوق رؤوسنا من موقع القلعة...».
يحدد أنطوان بدقة: «صوت مضاد أو عيار أربعة عشرة ونصف أنا لم أكن قد وصلت بعد، كنت أصعد الطريق التي تقع خلفها أرنون، لم يكن باستطاعتي أن أرى بعد الناس قد تجمعوا في الساحة. تساءلت للحظة ماذا سأفعل؟ ثم قلت سأكمل: «شو يعني رصاص».. وعندها رأيت الناس متجمعين زال خوفي ولم يعد يهمني شيء. كيف سأصف لك المشهد؟ شيء لا يصدق. الأسلاك الشائكة كالأشلاء على الأرض، الناس تدوسها بأقدمها. ثم كان هناك بعض الرهبة من التوغل في القرية، لكننا تحمسنا في النهاية ودخلنا البيوت والزواريب في الضيعة، وأخذ الطلاب والمتظاهرون يفتشون عن مواقع الأسلاك الشائكة ليقتلعوها كالعشب الفاسد، وكلما توغل أحدنا كان الآخرون يسيرون خلفه ويتوغلون..
ثم فجأة تسلق أحد الشبان أبعد عمود للكهرباء وزرع فوقه العلم اللبناني وعلت الزغاريد. الطلاب تسلقوا سطوح البيوت وأطلّوا من الشرفات. لكن الأهالي رجونا ألا نتوغل كثيرا خوفا من ردة فعل الإسرائيليين. وهكذا وقف بعض الطلاب سداً بين المسيرة وبين التوغل أكثر. واتفقنا على المكوث في الساحة حيث أخذنا ننشد الأغاني الوطنية».