كنت يافعاً حين بدأت الفكرة تتبلور في رأسي. أن ادرس الصحافة لأكون من أسرة «الســفير» ذات يــوم. إذ كــنت مســكونا بهاجس قدرة الكلمة على المواجهة، وكيف يمــكن أن تكــون ســيفا أو رصاصة.
كان الحنين يشدني إلى «السفير» دوما إلى أن صرت واحدا من أسرتها. هي التي كانت الصوت الصادح عندما كان الأهل منشغلين بحروبهم، وقد كانت المنارة في ظلام العدوانات الصهيونية المتكررة والاجتياحات.
لا أتحدث هنا عن رائحة ورق أو حبر، بل عن محتوى صحيفة أخذت على نفسها عهد الانحياز إلى الناس وقضاياهم، في كل لبنان والعالم العربي على امتداده، وهي التي ظلت حتى أنفاسها الأخيرة تقدم دروسا في الهوية والانتماء إلى الوطن أولا ولفلسطين والعروبة.
ليس سهلا أن أوجز تجربة سنوات ثلاث ببضعة سطور. ثلاث سنوات مرت من عمر لن يعود إلى الوراء..
لن تكون «السفير» مع أبنائنا، لن تكون مع الأجيال اللاحقة التي ستخسر هذه القلعة العريقة في دنيا الصحافة.. وهنا فليعذرنا أصحاب النظريات ممن يجادلون في محتوى أو اختلاف وسيلة ناقلة للمعلومة والخبر، ليعذرونا جميعاً إذ نتحدث عن «السفير» بحنين إلى حبر وورق وإلى كل ما فيها. ليعذرونا أيضا ونحن نتفرج على تجربة أربعة عقود وأكثر، تتهاوى وتسقط على من فيها، لأن المزاج العام لم يعد يتحمل إعلاما «ملتزماً».
للجريدة التي أفسحت لي المجال لأطلّ على قرائها، سيكون الشوق الدائم، للزملاء، صاحب النكات المتكررة عمار نعمه، لكاره السيجارة إيلي الفرزلي، ولينا فخر الدين صاحبة الضحكة الجميلة، لنصيرة الحقوق سعدى علوه، باسكال صوما وملاك مكي، جوزيت ابي تامر، ربيع بركات وسحر مندور وزينة برجاوي.. إلى الجميع بلا استثناء وإلى أستاذنا ووالد الأسرة طلال سلمان سيكون الشوق على الدوام. لكن أكثر ما سأفتقده أكثر هو صوت الزميل حسين أيوب ينده في اليوم مرات ومرات: رفيق أدهم.
يا رفيق غدا يوم آخر. لا صوت ينده ولا سفير ستصدر بعد الآن.. وإلى لقاء..