مقابل الزمن الذي كان فيه الفكر العربي ينادي بوحدة سرية على النمط البسماركي، وتوحيد عاطفي يستند الى التاريخ والايديولوجيا، جاء زمن راهن صارت فيه الوحدة العربية بالنسبة الى الدكتور غسان سلامة، ضرورة لا يمكن للوطن العربي من دونها ان يلج القرن الحادي والعشرين المقبل. من تجربتنا مع مفهوم الوحدة يصل غسان سلامة الى ضرورة وحدة سيفرضها السوق، المحلي والعالمي، وعلينا نحن الا نترك السوق ينفرد بها، علينا ان نرفدها بالبعد الثقافي الذي من دونه لن تقوم لها قائمة. ولكن من يصنع هذه الوحدة؟ الانظمة؟! المثقفون؟ السوق؟ رجال الاعمال؟ الغرب؟ بالنسبة الى غسان سلامة كل هذه العناصر يمكنها ان تصنع الوحدة، لكن صانعها الاول، الذي له وحده مصلحة حقيقية فيها هو الشعب، المواطن، المجتمع الذي تم تجاهلة كثيرا، من قبل الانظمة، ولكن كذلك من قبل النخبة المثقفة. ومن هنا يعلن سلامة ثقته بالشعب وبوعي الشعب.
غسان سلامة الذي يحل اليوم ضيفا على «رحلة في العقل العربي» من مواليد لبنان عام 1951، نال اجازة القانون عام 1973 ودبلوم دراسات عليا في القانون عام (1974) ودكتوراه حلقة ثالثة في الآداب من جامعة باريس الثالثة (1975) ثم دكتوراه دولة في العلوم السياسية من جامعة باريس الاولى (1978). علم في العديد من الجامعات اللبنانية، وهو اليوم استاذ للعلوم السياسية في جامعات باريس، ويشارك في العديد من اللقاءات والمؤتمرات المتخصصة، وبرز خلال حربي الخليج بتعليقاته في شتى محطات التلفزة الفرنسية. من اهم مؤلفاته الصادرة بالعربية والفرنسية والانكليزية: »المسرح السياسي في لبنان« (1975)، »السياسة الخارجية السعودية منذ سنة 1945« (1980)، »هويات لبنان الجريحة« (1986)، »نحو عقد اجتماعي جديد« (1987) و«المجتمع والدولة في المشرق العربي« (1987). ويعيش الآن متنقلا بين بيروت وباريس.
÷ غسان سلامة، أود أن أعرف كيف تراك تنظر الى الواقع العربي الراهن على ضوء التطورات الحاصلة في الآونة الاخيرة، وعلى ضوء ما يمكن توقعه في المرحلة المقبلة؟
{ أعتقد ان هذا السؤال له عدة مستويات، وسأحاول ان أجيب عليه التفافيا. فالمستوى الاول للسؤال يتعلق بالعروبة السياسية، والثاني بالعروبة الثقافية، والثالث بالوضع العربي العام وعلاقته بما يسمى، الآن، بالعولمة. بالنسبة الى العروبة السياسية، مما لا شك فيه أن هذه العروبة قد توصلت الى مأزق كبير بعد هزيمة عام 1967. ولا أعتقد انها حتى الآن استطاعت أن تهضم هزيمتها، لكي تستعيد أنفاسها. صحيح أن محاولات عديدة قد جرت من أجل إعادة إنتاج الأفكار، والممارسات الاساسية من قبل العروبة السياسية، ان من خلال أنظمة تقدمية (كسوريا والعراق والجزائر واليمن...) او من خلال بعض التجارب الوحدوية او التضامنية. ومع هذا عجزت العروبة السياسية منذ عام 1967 عن اعادة انتاج نفسها، وربما يعود السبب الاساسي في هذا الى ان الفكر الذي قامت عليه العروبة السياسية في سنوات الخمسين والستين لم يكن حاملا لمضمون جذري كاف. كان الفكر العروبي، ولا يزال، يتميز بتركيبة استمولوجية دينية. كان المطلوب هو الانتماء للجماعة والايمان بوحدتها وضرورة تقدمها وتضامنها. لم يكن هناك فكر جدي يعتبر العروبة معطى تاريخيا من المطلوب تثبيته على ارض الواقع، ومشروعا مستقبليا يجب اختراعه. لذلك عندما أصيبت العروبة بهزيمتها الكبرى في عام 1967، لم يكن في مضمونها السابق ما يكفي من عناصر جدلية تمكنها من اعادة انتاج نفسها، وأصبحت بالتالي تتأرجح بين الحنين لمرحلة ذهبية تاريخية يعاد استحضارها بين الحين والآخر، وبين محاولات بائسة وجزئية مبشرة لإعادة انتاج الذات، ولكن مع فشل شبه دائم. المنحى الوحيد الذي استطاعت فيه العروبة السياسية ان تعيد إنتاج نفسها ولكن بطريقة اخرى، كان من خلال الإسلام السياسي. هذا الاسلام السياسي لعب في المنطقة العربية عملية استنتاج ممنهج على إرث العروبة السياسية في مرحلة السبعينيات، حيث جرت محاولة لحرف ذلك الإرث باتجاه إعطائه هوية دينية، وهذه المحاولة أتت بعد مرحلة كان القوميون في بدايتها شديدي العداء لفكرة استيلاء من هو في خارج الحركة القومية عليها. لكنهم بعد ذلك دخلوا مرحلة توافق ولحقوا بالركب. غير ان هذا عبر كذلك عن نفس الفشل لأنه يعني ان القوميين لم يتمكنوا، وحدهم، من اعادة انتاج فكرة العروبة السياسية، مكتفين إما بمزيد من الحنين او باللحاق بالاسلام السياسي كوسيلة وحيدة أمامهم لإبقاء الجذوة حية.
ابراهيم العريس، ٢٣/٢/١٩٩٨