لعبت جريدة ««السفير»» ادوارا حاسمة في مصير عدد من القضايا اللبنانية والعربية الاساسية. انتشرت على صفحاتها آثار وافعال الثورة الفلسطينية في لبنان والعالم. منها كانت تنطلق خطب الثورة ومواقفها وتحالفاتها وصراعاتها الداخلية وعداواتها وانشطتها النضالية، وعلى صفحات «السفير» سجلت آخر مراحلها اللبنانية بل اطلق ياسر عرفات تنهيدته اللبنانية الاخيرة في الطابق السادس من مبنى الصحيفة في مشهد مؤثر.
في السياق نفسه، يمكن القول إن الحركة الوطنية اللبنانية ولدت وترعرعت على صفحات «السفير»، وعندما ارادت ان تستقل عنها عبر تأسيس جريدة خاصة بها منيت بفشل ذريع وعادت ادراجها الى شارع منيمنة.
وفي «السفير» اطلق آية الله الخميني ابتسامته الوحيدة المنشورة في صورة عالمية لدى استقباله ياسر عرفات. في هذه الصحيفة كان يمكن لأحداث «يناير» العام 1986 في عدن او لانقلاب عمر البشير في الخرطوم او لاغتيال انور السادات او لاقتحام جهيمان العتيبي الحرم المكي العام 1979 او لانقلاب زين العابدين بن علي في تونس او لمؤتمرات مدريد وجنيف ووادي عربة وكامب ديفيد...
وكان للعلاقات اللبنانية السورية محطات على صفحات «السفير» بغالبيتها مبنية على مسلمات طلال سلمان العربية، وفي القليل منها غضب ساطع على الصحيفة أدى في إحدى المرات إلى اقتحامها، لكن الخط التحريري للجريدة لم يُبْنَ يوما على قاعدة لبنانوية ضيقة ومعزولة او مناهضة لسوريا.
أما الحدث اللبناني فكان في هرم اهتمامات الصحيفة يطغى تماما حيث ينبغي وفق سلم أولوياتها ويتراجع الى هامش يومي في وقت لآخر، ولو كان يحلق على صفحات غيرها من الصحف اللبنانية في القمة. أذكر أن 17 تحقيقا على صفحتها الأولى في تموز العام 1983 حول الضاحية الجنوبية بإشرافي المتواضع كانت كافية لإنقاذ آلاف الفقراء اللبنانيـين من التشرد.
والثابت أن المقاومة التعددية اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي، كما المقاومة الاسلامية من بعد، كانت «السفير» رئتها وسط حملات صحافية محلية واجنبية مناهضة ووسط ضغوط على الصحيفة وإغراءات لا تقاوم.
على صفحات «السفير» وحدها كان يمكن تعريف الهزيمة الاسرائيلية العام 2000 في جنوب لبنان كما ينبغي ان تفسر: ففي حين كان منافسو «السفير» يعتبرون ان لا نصر في جنوب لبنان وان مجمل ما وقع هو تنفيذ اسرائيلي لمخطط انسحاب مبرمج سلفا، أطلقت «السفير» العنان لنقاش واسع حول آثار الهزيمة الصهيونية الاولى ونتائج الانتصار اللبناني التاريخي على الدولة العبرية، وسيتكرر الامر العام 2006 وما بينهما من انشطار لبناني بين 14 و8 آذار.
في «السفير» كان يمكن التعرف دائما على الرأي المختلف في السينما والمسرح والرواية والبحث، وكان يمكن لأي كتاب مُحاصَر أن يتنفس على صفحاتها، ولأي وجهة نظر جديرة ان تنشر وتحترم بغض النظر عن طبقة كاتبها واصوله الاجتماعية، بل يمكن القول إن صفحات الثقافة والرأي فيها كانت مصنعا خرجت منه مغامرات أدبية وثقافية وفكرية ما زال كثير من اصحابها شهود على تلك الفترة.
أغلب الظن ان طلال سلمان كان بوسعه ان يختار غيابا آخر للسفير عبر إغراقها بأموال تحمل هوية مناقضة لتاريخها وسيرتها، ففضَّل تغييبها حفظا لسيرتها... كثيرون في هذه الاوقات يشعرون بالحزن لغياب «السفير»، وكثيرون ربما لا يعبأون بهذا الحدث، وبعضهم ينتظر غيابها بفارغ الصبر؛ هذا في بلد ينافق سياسيوه بشعارات الوطنية والحرية والتقدم، ولو كانت هذه الشعارات تعني لهم الشيء الكثير ربما تدخلوا كما تدخلت دول تحترم نفسها لحماية صحفها الكبرى من الانهيار.
في جمهورية موز فقط كجمهورية الطائف يمكن لغياب صحيفة عملاقة من طراز «السفير» ان يمر مرور الكرام.
] كاتب وباحث لبناني مقيم في فرنسا