أن نودّع. يعني أن نشقّ باباً منفرداً في عالمٍ كبير ونطلّ منه إلى حفرة أخرى. يعني أن نخرج من جيب الوقت لبعض الوقت، وأن نقطّب أمانينا. يعني أن تتوقّف حافلة لتأخذ آخر الراحلين، ولا تتوقف بعدها. يعني أن ننام على وسادة وقد فقدنا وردة لتوّنا، ونحن قبل الآن ما كنّا نسقي الورد، وما كنّا ننظر إلى أيدينا الفارغة إلا من الورد.
انتهى العام تقريباً. انتهت «السفير» تقريباً. انتهى الكثير من الوقت والأنفاس والشجر والفصول والغيم المهاجر والحب والعلاقات والناس. هكذا تتساقط النهايات فوق رأسي في يومٍ واحدٍ، وهكذا تزدحم ذاكرتي بكلّ ذاك الألم، وأنا كنت أصلّي لأفقد الذاكرة. فاقدو الذاكرة أكبر المحظوظين ربما.
حين رحل الذي أحبّه، شعرت وأنا أقود سيارتي في طريق العودة أن الزمن فعلاً استدار وأدار لي ظهره. بعد ذلك تقدّم الوقت وعاد إليّ الملل وعادت الوحدة إلى غرفتي. ما نفع غرفتي لولا الوحدة؟
اليوم ترحل «السفير». وهذا ربما النص الأخير لي. لا أحد يملك القدرة على وداع جريدة. لا أحد. ما يُطلب مني في هذا الصباح مهمّة مستحيلة حقاً. لقد ودّعت ناساً كثراً. لكنّها المرة الأولى التي أودّع فيها جريدة.
مكتبي ما زال كما هو. مبعثر. فوضوي. غارق بالورق والكتب والصور والصحف وأرقام الهواتف. كيف يمكن أن أغادر؟ منذ أسبوع وأنا أسأل: كيف أغادر؟ يبدو أنني لن أفعل. سأبقى هناك، في تلك البقعة الصغيرة التي تعرف كلّ شيء وتحسّ بكلّ شيء.
يوم غادرت الطبقة الرابعة وانتقل مكتبي إلى الطبقة الثانية بكيتُ وحدي كثيراً. طبعاً لم يكن ممكناً أن أبكي أمام أحد. لحظات الوداع لا تعني سوى المودّعين ولا يفهمها إلا الواقف أمام شيئه الراحل. هذه المرة الثانية التي أغادر فيها مكتبي في عامٍ واحد. أشعر بظلمٍ لا يحصى. أن تودّع مكتبك، يعني أن تتخلّى عن أسرارك، فتدعها في مكانٍ لن يكون لك بعد الآن. كيف إن كنتَ تودّعه مرتين؟ أظنّ أن مكتبي تماماً كغرفتي، خاص ومليء بوحدتي. الأمكنة التي تعيش فيها وحدتي بأمان، كيف الخروج منها؟ كيف أنقل وحدتي إلى مكانٍ آخر. الوحدة لا تتكيّف مع أيّ مكان. الوحدة كائنٌ غير متكيّف.
إنها أيامٌ من النهايات. أتمنّى البكاء منذ الصباح والبكاء لا يأتي حين أحتاج إليه. البكاء عنيد كالذي أحبّه. حسناً، أشعر بالحنين. أخشى الحنين أكثر من أي شيء. حولي تدور لوحات الراحلين، وأنا في الوسط، أعضّ أصابعي، يخنقني الهواء الذي يدخل ويخرج ببلادة، كأنّ لا شيء يحصل. بعد سنوات سأجد الجريدة في مكانٍ ما، سأقرأ هذا النص، ربما حينها سأستطيع البكاء، كما أحتاج الآن.