فيروز و«السفير»، رفيقتا الطرق في القطار من نيس إلى كان (جنوب فرنسا)، في كل صباح. فكما كان صوت الأولى مسكّناً لوجع الغربة ومحفّزاً على مواجهة بلادٍ غريبة، أهلها مقلّون في ابتساماتهم، كانت «السفير» الحبل السرّي، الذي يربطني بالوطن.
ثلاث سنواتٍ في «السفير»، قبل أن أغادرها بهدف التحصيل العلمي في فرنسا، التجربة قصيرةٌ جداً مقارنةً بالزملاء. كانت «السفير» مرجعي في كل حوار في الجامعة. أستشهد بها وأناقش أساتذةً صحافيين أمضوا عشرات السنين في المهنة، متسلحةً بمبادئ ترسّخت فيها وبأفكارٍ أينعت في كنفها عن أخلاقيات المهنة وتطوّر الأحداث في عالمنا العربي.
في صباح يومٍ ربيعي، كان بعضٌ من موظفي قسم الأرشيف منهمكاً بتوضيب مادة معينة. يا إلهي! إنها رسومات ناجي العلي. فبرغم أن الجريدة علقت عدداً أو نسخاً منها في الأروقة والمكاتب، إلا أني، يومها، استطعت أن أقترب من تلك الرسوم وأضمّها حتى كأني أعانق فلسطين. ألمس الخطوط السوداء وأفكر: كيف رسمها؟ هل كان هادئاً؟ هل استشاط غيظاً سكبه بحبر أسود؟ أشمّ الورقة عساها احتفظت ببعضِ من شذى خالق حنظلة.
تجربة أخرى في أرشيف «السفير»، أثناء إعداد ملفٍ عن عدوان تموز، غرقت بين 3 آﻻف صورة. ساعاتٌ أمضيتها وأنا أحدّق في وجوه نساء الجنوب الطيّبات وتجاعيد من عمر اﻻحتلال، في عين طفل جريح دامعة، في غصّة رجل، في دمار وحروق غطّت الأجساد.. في ابتسامات الصامدين وضحكــات العائدين. كم هو عظيم هذا الحزن. عظيم بقدر فرح اﻻنتصار. عظــيم بحجــم هزيمــة الإسرائيليين المندحرين عن أرضنا. وكم هو عظيم كــل صحافي مشى بقدميــن واثقتين ليؤرخ هذه اللحظات، فيمنح «السفير» «حصرية» امــتلاك أرشــيف المقاومة.
في «الســفير» كتبت.. في «السفير» لامســت مواضع الوجع في نفوسٍ وأجسادٍ أدمتها الحرب.. في «الســفير» كتبت عن الإنسان لأكون إنساناً قبل أن أكون صحافـــيةً. واليوم، تصدر مدرسة الصحافة آخر عددٍ ورقــي لـــها، إلا أنها تستمرّ عبـــر أجيال الصحافيين الذين مرّوا فيها. أما أنا، فأشــهد أن كـــلّ ما فـــيّ بضعةٌ من «السفير».