ما ذنبنا إذا أدمّنا القراءة ولو كنا نظرا للموضة متخلّفين، ماذا ارتكبنا لنعاقب ونحاكم من غير التماس أو حتى استئناف؟
أي خطيئة عظيمة اقترفناها لكي لا نعطى حق المغفرة وبدل الرجوع إلى القضاء، كأن القرار بالقضاء على عادة صباحية نقرأها بالعينين أو نتأبطها زوادة أو نستلقي مساء على ضوء بعض مقالاتها؟
يطالعنا «المانشيت» فنسرع إلى المضمون، تغرينا العناوين فنغوص في المكتوب. نتنقّل بين مقالة وأخرى، تسترعينا واحدة ونهمل أخرى، نركض بين السطور، نتسلّق العواميد، نتسلّل إلى الثقافة، وتسحبنا الرياضة. فلسطين دائما موجودة على خريطتها بالسياسة أو الاقتصاد، بالتحليل أو الثقافة، بالنص أو بالقصيدة. ودائما تبحث عن حبر ناشرها تقاطعت معه أو اختلفت، لكنّ لحبر طلال سلمان مذاقاً خاصاً، لم يجنح يوماً عن عروبة اعتنقها، ولا أغفل فلسطين وإيمانه بها، ولم يعلق بشباك الطائفية التي اصطادت معظمنا، وفي كل حين كان القرار بالكلمة المقاومة الحاضنة والناشرة للمقاومة، نعم لها في الميدان، وفي السياسة النقاش مشروع وضروري وحيوي.
لن نقول إن «السفير» لم ترتكب أخطاء، ولكنها أبدا لم تقترف خطايا. لن نقول إنها لم تنزلق إلى بعض إغراءات، ولكنّها أبدا لم تسقط في فخّ المرسوم للمنطقة، وهي إن أخطأت في التقدير ولكنّها لم تكن يوما مساحة للتقرير.
واليوم نودّعها وكأننا نطفئ مصباحا من مصابيح الكلمة التي تكاد تغرق في العتمة.
قد يقول قائل إن الصحافة الورقية في كل العالم إلى زوال، وكأن أجيالا بكاملها إلى اضمحلال، وكأننا جنس ينقرض ولم يبق منّا إلا الحطام.
ولكن حتى ولو رضخنا إلى هذه المقولة، فإن «السفير» لم تستبدل المكتوب بالالكتروني، بل طوت عمرها وبعضا من عمرنا تاركة للفراغ مساحة من الضجيج، وقبلها «النهار» ناص قنديلها ويكاد ينطفئ، إلى يوميات أخرى ولو أنها لم تجاور يوما «سفيرنا» أو «النهار».
لم يكن ينقصنا إلاّ هذا الرحيل لكي تكتمل فصول رواية تشرّدنا وتسكّعنا.
أكتب هذه الكلمات كمن يرثي وطنا أبكم، وشعبا أصمّ. كيف لي أن أبدأ صباحاتي وأنا التي أسأل كل صباح عن «السفير» لأقرأ الجريدة.
] مسؤولة الاعلام في «تيار المردة»