في الذكرى الـ62 للنكبة من العام 2010، أصدرت «السفير» العدد الأول من ملحق «فلسطين»، وخصّصته بكيانٍ مستقلّ في 24 صفحة تابلويد. ومنذ 15 أيّار هذا وحتى آذار 2016، استمرّ الملحق بالصدور بدورةٍ شهريّةٍ، تحلّ في منتصف كلّ شهر. منذ آذار 2016 وحتى نهاية 2016، وتحت ضغط أزمة الصحافة اللبنانيّة الماليّة التي فرضت تقلّص عدد صفحات الجريدة وأقسامها، أعيد توزيع صفحاته لتندرج ضمن الجريدة اليوميّة، فتظهر مرّةً كلّ صباح إثنين بوتيرةٍ أسبوعيّةٍ. لم ترد «السفير» لقصّته أن تنتهي، بل أرادت لها أن تستمر حتى آخر عدد. وها هي هنا، حاضرة تقول قولها بصفحتين، في آخر عدد.
فلسطين مطبوعةٌ على جبين «السفير». منذ شعارها الذي يفرغ حدود حمامة السفر والتواصل في استدارةِ برتقالةٍ من يافا. وفلسطين هي «أرض البرتقال الحزين»، بحسب غسّان كنفاني، وهي مطبوعةٌ أعلى كلّ عدد «سفير» صدر منذ 26 آذار 1974. وقد سعى الملحق على تبدّل أعداده لأن يرويها عبر توثيقها أولاً، ثم مرافقتها حاضراً. وقد فعل، واستمرّ ما قدر.
في السنوات الأربع الأولى من عمره، استعاد الملحق تحت إدارة صقر أبو فخر تفاصيل الوجود والخروج والاشتباك والوجوه في كلّ حدثٍ وقصّة، ثمّ في كلّ مدينةٍ وقريةٍ، ثم في كلّ قطاعٍ ومجال. أحداثٌ وأسماءٌ وسرديّاتٌ تتقاطع منذ الوثائق القديمة حتى الذكريات الشاهدة. وثّق. ولم يهادن الملحق في توضيح أولوية الثقافة والفن في صياغة القضية الفلسطينيّة، وبالتالي كلّ حضورٍ لها، فخرج الملحق كلّ شهرٍ بغلافٍ رسمه المصريّ مصمّم شعار «السفير» أ. حلمي التوني. مع توالي الأعداد، صارت له مروحةٌ من اللوحات والمقاربات في توصيف فلسطين، يتلوّن الوجه فيها بألوان المحور الذي يعالجه الملحق. اللوحة تخلّد السرد.
في السنوات الثلاث الأخيرة من عمر النشر، استند الملحق تحت إدارتي إلى السرديّة المؤسّسة لينطلق منها إلى واقع الأرض بأحوالها الأربعة: الضفّة الغربيّة، قطاع غزّة، القدس، وأراضي الـ48. إليها، يضاف عالما اللجوء والشتات بسياقاتهما وتواريخهما المتراكمة وتقاطعاتهما مع كامل الصورة. ولأن دنيا فلسطين واقعة تحت الاحتلال والتداخل حتميّ بين العالمين المتواجهين، خاض المحلق استقصاءً في مُعاش إسرائيل الدولة والمجتمع على مستوياتٍ يوميّة، اقتصاديّة، عرقيّة، دينيّة، شرقيّة، انتخابيّة... شهرياً، كان الملحق يقف على باب فلسطين المنتشرة على وجه الخريطة، يقارب قضاياها ومسائلها، يتابع التيارات الأكاديميّة والاقتصاديّة والثقافيّة الرافعة لحرب المقاطعة عالمياً، يواكب الحروب، الأزمات، الرواتب، الحصار، المعبر، الصحّة، العمل، الجامعات، الاختلاط، النزعات... عالمٌ كامل يفيض بالتقاطعات والاشتباكات، وبغنى حيواتٍ تتفاوت حصصها من الصعوبة والتحمّل والإبداع.
من أرض البرتقال الحزين إلى وطنٍ بمساحة كوكب، ومن الخبر اليوميّ الدائم على صفحة «السفير» الأولى إلى ملحقٍ شهريّ خاصٍّ بها، روت «السفير» فلسطين كقضيّةٍ وكأرضٍ حيّة. على مدى 42 عاماً، ترافق درب «السفير» مع دروب فلسطين، وها هي في عددها التذكاريّ تحتضنها.