لا أفهم سبب رغبتي في الكتابة في هذا العدد الأخير من «السفير». قلت لرئيس التحرير، وأنا أطلب مكاناً لي على صفحاتها: «أريد أن أرى اسمي منشوراً فيها لآخر مرة، كما رأيته فيها أول مرة عندما كنت بعد طالبة في الجامعة».
كان ذلك قبل عشرين عاما تقريباً، وكانت الكتابة في «السفير» حلما أدين بتحقيقه الى الدكتور زهير هواري الذي استقبلني ودربني وآمن بكفاءتي. وعندما رأيت اسمي مطبوعاً أول مرة (وثاني مرة، وثالث مرة) أسفل التحقيق، بحبر أسود غليظ، وجدت تعريفا جديداً للسعادة. هذا الحبر الذي أغواني منذ بداية مراهتقي وورطني في اختيار مهنة المستقبل، الصحافة المكتوبة ولا شيء آخر. الصحافة التي تدرك وظيفتها تماماً: العمل في خدمة الناس.
الورطة المهنية التي أوقعتني «السفير» بها، لا تقل عن ورطتي العاطفية بجريدة ساهمت في تشكيل وعيي السياسي وذائقتي الأدبية. حتى عندما عملت في أماكن أخرى، لم تتضاءل مكانة «السفير» في قلبي. بل قد يكون الدافع الأساسي لعملي في «الأخبار» لاحقا انها ولدت من رحم «السفير»، وان مؤسسيها هم من أصحاب التواقيع السوداء الغليظة التي أوقعتني في حبائل الصحافة. لا أختلف في مشاعري هذه عن مئات آلاف اللبنانيين والعرب، الذين لا يصدقون بعد انهم سيستيقظون صباح الخميس 5 كانون الثاني 2017، ولن يجدوا عددا جديدا من جريدتهم، لا في المكتبات ولا في الفضاء الافتراضي. مشاعر يصعب تجاوزها حتى بالنسبة لي، أنا المقتنعة بصواب قرار التوقف عن الصدور الورقي.
كم سيكون هذا الأمر مؤلماً؟ ومن يعي فداحة الخسارة على المستوى الوطني والعربي؟ وأي مستقبل للمهنة بعد هزة «السفير» هذه؟
كلنا نؤجل التفكير، كما نجبر أنفسنا على تقبل قرار الإقفال. نرضخ للأمر الواقع ونفكر فقط بوداع لائق لجريدة أعادت للمهنة معناها، بوصفها منبراً تنويرياً ثقافياً وليست مجرد صناعة للأخبار، فقدمت نموذجاً خاصاً لصحافة محترفة و «مقاتلة» في الوقت نفسه. وقد يكون هذا عزاءها: أنها نجحت في مهمتها.
لكن إذا كان من كلمة أخيرة، تفتح الباب امام نقاش بات ملحا أكثر من أي وقت مضى، فهي ان «السفير» لم تنجح لو لم تكن تعرف ان الصحافة كائن حي، قادر على الغواية وعلى التحريض وعلى تشكيل الوعي... لكنه عصي على الموت. الموت الذي رفضته هي قبل قرابة الـ43 عاما واصفة نجاحها، بعد عشرين يوماً على صدورها، بأنه «قضية سياسية ذات دلالة». وهو الوصف نفسه الذي يمكننا ان نطلقه، آسفين، على قرار انكفائها اليوم.
] استاذة الاعلام في الجامعة اللبنانية