كان النهار ثلاثاء حين أجريت المقابلة الأولى للعمل في جريدة «السفير». لم أكن صحافية، كنت متخرجة في اختصاص العلوم، وكنت أحب أن أكتب. كنت أقرأ الجريدة منذ كنت صغيرة، وكنت أحتفظ بأعداد «السفير الثقافي» لأقرأها في أيام العطلة.
في زيارتي الأولى، انتبهت إلى تلك المكاتب الخشبية في بهو الطابق، كانت قديمة وصغيرة وتشبهني إلى حدّ كبير. بدأت عملي في الجريدة واكتشفت أنني صحافية. قلقت كثيراً، خجلت كثيراً، ترددت أحياناً وتجرأت أحياناً أخرى، تعرفت إلى الباحثين والأطباء. كتبت وبحثت، شجعني كثيرون، وثق بي المديرون والزملاء. كنت أنصت للأحاديث والحوارات، وأغتني. كنت أفرح في كل مرة أجد فيها اسمي منشوراً في صفحات الجريدة وأبتسم. في أحيان كثيرة، كنت أهرع للوصول إلى المكتب حتى أركّز أفكاري ومشاعري، وكأن الجريدة نقطة ارتكاز أخاف من بعدها أن أضيع فعلاً. أحب مكتبي كثيراً، أجد نفسي فيه. لم أكن أعرف «ملاك» كثيراً ولم أكن أعترف بها، وكأن الجريدة جعلتني أكتشف نفسي. في كل مرة كنت أشعر بأنني أرغب في أن ألتقط أمراً أو شيئاً، أو أنّ أصابعي تؤلمني، كنت أجلس على مقعدي وأكتب. أحب الكتابة، وكأنني حين أكتب أحوك نصاً تجعل منه الجريدة مادّة ملموسة، موجودة، مرتبطة بالآخر، وبالمحيط. في غمرة الحديث عن الصحافة الورقية والإلكترونية، ما زلت أشعر بأن عملية القراءة والكتابة يدوية، وكأن النص لا يصبح نصاً إلا حين نلتقطه على الورق، وكأننا لا نلتقط النص إلا على الورق.
ليست جريدة «السفير» نصوصاً مطبوعة على ورق فحسب، بل هي تلك العلاقة بين ما نختزنه في أنفسنا، بين ما نخبئه في عقولنا وفي أجسادنا، بين ما لا نعرفه عن أنفسنا وبين الآخرين الذين نكتشفهم ونحبهم ونصادقهم ونخاف أن نودّعهم.
وداع «السفير» يحتاج إلى الكثير من الجرأة.