قضيت من عمري ردحاً من الزمن في خدمة هذا الوطن العزيز على قلبي لبنان. كنت ولم أزل أعتزّ بوطني لبنان، منارة الشرق في العلم والثقافة والصحافة وتنوع الحضارات فيه، كما يشهد العالم العربي على كون لبنان في مقدمة البلدان التي اعتمدت كمصدر موثوق في مجال الصحافة المكتوبة نظراً لما تمتلكه الصحافة في لبنان من حرية في التعبير وغنى في مقالات وتحليلات العديد من المفكرين اللبنانيين والعرب خصوصاً ممن يبحثون عن متنفّس للتعبير بحرية في مقالاتهم.. جريدة «السفير» الغرّاء واحدة من الصحف الورقية التي احتلّت حيزاً مهما ومتقدماً على ما عداها من الصحف المحلية والعربية المرموقة، فأفردت مساحات واسعة من صفحاتها لمحللين وباحثين عرب وأجانب مسهمة في إغناء الفكر بما يخدم الأمة العربية عموماً والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
جريدة «السفير» ومنذ انطلاقتها الأولى اعتمدت الخط القومي العربي، وتمسكت برفع راية فلسطين عالياً مدافعة عن حق الفلسطينيين، كما يسجل لـ «السفير» انها تكاد تكون الجريدة الوحيدة في الوطن العربي التي خصت أحوال فلسطين والفلسطينيين عبر صفحاتها اليومية حتى إنها أصبحت مرجعاً مهماً لكل من رغب في متابعة أخبار فلسطين ونضالها واحوالها ومعاناتها وعذاباتها ومقاومتها العدو الصهيوني، فيما غيبت فلسطين كما غيب اسمها عن مجمل صفحات الصحف الصادرة في وطننا العربي، ولا غلوّ في القول إن بعضا من تلك الصحف قام باستبدال كلمة فلسطين بكلمة إسرائيل في نية خبيثة واضحة تهدف إلى طمس القضية الفلسطينية عن الذاكرة، أما جريدة «السفير» فقد ثبتت على خطها العربي الذي تميزت به منذ انطلاقتها وحافظت على ابقائه حياً في ضمير الإنسانية وذاكرتها..
خلال السنوات التي توليت فيها المسؤولية تعرفت إلى الأستاذ طلال سلمان، ومنذ اليوم الأول جمعتنا مبادئ العروبة والقومية التي زرعها الزعيم العربي الراحل «جمال عبد الناصر»، فكان طلال سلمان الحالم بتحقيق القومية العربية انطلاقا من ضرورة تنفيذ العمل العربي المشترك الحامل لهموم الأمة الممزقة والغائبة عن ساحات ومراكز القرار بقلب يملأه الألم وتعتصره الحسرة على ما آلت إليه حال الأمة من تفكك وتشرذم تتحكم بها خلافات متفاقمة، تحول دون إمكانية انعقاد مؤتمر قمة عربي لبحث ما آلت إليه حالنا العربية في مواجهة التطبيع المعلن وغير المعلن مع العدوّ الإسرائيلي وتسلل هذا العدوّ الغاصب إلى مجتمعنا العربي.
طلال سلمان دأب على التواصل معي من خلال الاتصال الهاتفي شبه اليومي أو من خلال زياراته المتكررة مواظباً عليها حتى يومنا هذا للمشورة وتداول همومنا الوطنية والعربية المشتركة.
الأخ العزيز العروبي الناسك المتعفف عن المراكز والشهرة طلال سلمان نجح في اكتساب صفة الصحافي الأهم على مستوى العالم العربي عن جدارة وبشهادة الجميع، فهو الذي صاغ هموم العرب من المحيط إلى الخليج، ومن المغرب وصولا الى المشرق العربي محاولا وضع الجمهور العربي والاجيال أمام مسؤولياتهم من خلال التشخيص الصحيح لأمراض العرب المزمنة ووصف الدواء لداء أضنى الجسم العربي الذي أصابه الوهن.
صحيح أنني أدمنت قراءة الصحف اليومية التي تصلني في صبيحة كل يوم، إلا ان إدماني هذا لم يثنني عن الاستمتاع بتلمس صحيفة «السفير» ورائحة الحبر فيها بشكل خاص، ولأن «السفير» تأخذ مني معظم الوقت المخصص للقراءة والمطالعة وذلك عائد لمضمونها المتميز عن باقي الصحف، خصوصاً عندما تنتابني الرغبة في قراءة افتتاحية العزيز طلال لأن الله وهبه حسّ الكتابة والتفنن في صياغة الكلمات المناسبة لتنساب الجمل بسلاسة تمتعنا بقراءتها والتمعن بمعانيها.
كل ذلك يشهد ان جريدة «السفير» بقيت بعيدة كل البعد من الارتهان او الاستزلام لأي دولة أو لأي جهة عربية كانت أو غربية او حتى لأي جهاز من أجهزة الدول حرصاً من صاحبها ورئيس تحريرها طلال سلمان وإيماناً منه بإبقاء الصحيفة ملتزمة السمت الذي خطه للصحيفة منذ البداية بحرية وسلاسة رافضاً كل العروض والاغراءات من قبل العديد من الدول والأجهزة، إلا أن تلك المحاولات باءت جميعها بالفشل امام إصرار العزيز طلال سلمان على عدم السماح لأي كان بالتحكم أو بتغيير مسار الجريدة العروبي الذي اشتهرت به «السفير» بالإضافة إلى التركيز على الهموم العربية والمخاطر التي تهدد وحدة العرب دون الانحياز لأي جهة، والانصراف للاهتمام بمبدأ القومية والتضامن العربي وصولا للعمل العربي المشترك وهو كان ولا يزال الامل المنشود.
حاولت «السفير» عبر صفحاتها إنماء الفكر العربي إضافة إلى تحفيز الإنسان العربي للارتقاء بالفكر والإنسان العربي إلى مستوى المخاطر والتحرر من التأثيرات الغربية الخارجية المعادية للأمة وإبقاء الضمير العربي حياً في أبناء الأمة.
تعتبر «السفير» منبراً عربياً مهماً لا غنى عنه، وما قدمته «السفير» ولم تزل، سيظل نبراساً وعلامة فارقة في مسيرة الصحافة العربية والدولية.
لا أخفي سراً إذ أقول إنني حاولت جاهداً أن أتجنب كتابة هذه الاسطر في مناسبة غير مستحبة هي غياب صحيفة «السفير»، لأن وجع الوجدان انتابني وشعرت حينها بقشعريرة تسري في عروقي وأنا اتخيل صباحي من غير تلمس جريدة «السفير» وتصفح ما تكتنزه صفحاتها من آراء متنوعة، تغنينا بالمعرفة السياسية والثقافية بنفس عروبي.. لكنني أعترف بأنني قلت في قرارة نفسي: لعل الله سبحانه يغير الحال إلى الاحسن بفتح باب الفرج لتستمر «السفير» في الصدور. لكن في الزيارة الأخيرة التي خصني بها العزيز طلال لمعايدتي بيوم ميلادي ذكرني بما كتبت سابقاً لـ «السفير» فرأيت ضرورة أن أقوم بكتابة سطور في غياب جريــدة «السفير» التي أحب.
وأمام هذا الإصرار، ورغم الألم الذي انتابني في تلك اللحظات، وجدت نفسي لا امتلك من وسيلة إلا العودة عن قرار كنت قد اتخذت سابقا بالعزوف قسراً عن كتابة المقالات، والاستجابة مكرهاً لطلب الموجوع طلال احساساً مني بوجعه وألمه الذي لا يوازي أي ألم بغياب مؤسسة عريقة وصحيفة رائدة عن العمل والصدور يومياً، بعد أن أعطى كل ما لديه في سبيل مواجهة كل الصعوبات المادية والاقتصادية وحتى الأمنية مزوداً بالإيمان والإصرار والتصميم لأكثر من أربعين عاماً لتبقى جريدة «السفير» منبراً عربياً حراً في خدمة قضايا الأمة العربية. مما لا شك فيه أن غياب جريدة «السفير» سيشكل خسارة قومية لا تعوض في الوطن العربي.
تحية عطرة إلى صاحب «السفير» العزيز طلال سلمان، وفقه الله في حله وترحاله لخدمة أمة العرب التي نعتز بها...
بيروت في 29/12/2016