تعرفت إلى أحد مبدعي الكتابة للمسرح العربي، وأحد كبار المثقفين العرب سعدالله ونوس في دمشق، مع أصدقاء وكثيرين بعضهم من رحل (عبدالله حوراني، حسين العودات) ومصطفى الحلاج، فيصل حوراني إلخ ...
كان اللقاء الأول في منزل فيصل حوراني، ثم في مسرح خليل قباني، ثم في منزل الراحل حسين العودات... قبل أن يتزوج سعدالله من الممثلة المسرحية فايزة الشاويش ويتخذ سكنا له في عمارة جديدة في واحد من أحياء «حي الأكراد» في ظاهر دمشق.
كنت اقرأ له في الثقافة... ثم أهدى إليّ مسرحية أولى فثانية، فبهرت بهذا الكاتب المميز ذي اللغة الأنيقة والبناء الهندسي الممتاز لعمله المسرحي بشخصياته ذات النكهة التاريخية مع إسقاطاتها المنطقية على واقعنا.
على أن أكثر ما لفتني هي هواجس سعدالله ونوس وخوفه على مستقبل سوريا من الفتنة، ونفوره من العسكريتاريا. وعلى احترامه وتقديره للرئيس حافظ الاسد فقد كان يخاف عليه (وعلى سوريا) من نظامه... ويمكن ملاحظة ذلك كله في مسرحياته بالإسقاطات التاريخية فيها، والتحذير الدائم من خطر نفاق أهل المصالح أو التسليم الظاهري للرعية وسيادة نوع من العسكريتاريا على النظام، برغم الجهد المبذول لتغليب الطابع المدني عليه.
ولقد كتب سعدالله ونوس بعض أخطر المسرحيات في تاريخ الكتابة للمسرح في الوطن العربي، وقدم بعضها على خشبات المسارح في سوريا (لا سيما مسرح خليل القباني)، أما المسرحية الأخيرة (طقوس الإشارات والتحولات) فقد أخرجتها السيدة نضال الأشقر وعرضت في «مسرح المدينة» في بيروت.
ـ ٢ ـ
عشية تأسيس «السفير» ذهبت الى سعدالله ونوس في دمشق أطلب إليه أن يتولى الإشراف على الثقافة في الجريدة التي نطمح أن تكون مختلفة، شكلاً وموضوعاً، عما هو موجود وقائم في بيروت بل المنطقة العربية بأسرها... وخاف سعدالله من طموحنا ورأى أننا نخلط بين الحماسة والقدرة، وأبلغنا أنه لا يريد أن يغادر دمشق. وبعد طول تردد وافق على أن «يجرب» فإذا ما أحسّ بأنه على قدر المسؤولية أكمل مهمته، وإلا اعتذر عن عدم الاستمرار وعاد إلى حصنه في دمشق يعتصم فيه.
وجاء سعدالله، فاستأجر شقة مفروشة في بناء مجاور، وانخرط معنا في ورشة إطلاق «السفير» ... لكنه ظل انتقائياً في اختيار أصدقائه والصديقات، وقد تكامل مع ابراهيم عامر ومع ناجي العلي الذي عاد الينا بعد حين، وكنت وباسم السبع وجوزيف سماحة من «رعاياه».
... لكن الحرب الأهلية لم تمهلنا أكثر من عام وبعض العام فتفجرت مقطعة أوصال البلاد، مسممة العلاقات بين أهلها ومحيطها..
وكان على سعدالله ونوس أن يعود إلى دمشق، وأن يستمر كاتباً في «السفير»، إذا ما فاض وقته عن الكتابة للمسرح أو في الثقافة عموماً.. وإن ظلت هواجسه النابعة من السياسيات تشغله..
وظللنا على علاقة وطيدة، وظل ناقداً ممتازاً لـ «السفير» في السياسة كما في الثقافة، في «العربيات» كما في «الدوليات»، وحتى في الشؤون المحلية. ولقد مشينا خلف نعشه في بلدته حصين البحر التي تعلو طرطوس ولا تبعد عنها إلا مسافة غيمات من الغبار المتصاعد من معامل الاسمنت على الطريق إليها.
رحم الله هذا المبدع وأخطر كاتب مسرحي في جيلنا، وأرق إنسان عرفته، وأرأف أب بابنته ديما.
ط.س.