حين دخلنا مرحلة الأعداد الصفر، قبل أسابيع من إصدار «السفير» لتدريب الزملاء على التحوّل إلى «أسرة»، كانت أخبار الجريدة «الجديدة والمختلفة» قد شاعت فعرف عنها القاصي والداني.
وكانت المقاومة الفلسطينية قد استقرت في بيروت، بقيادتها وكوادرها، مستقطبة حشداً من المثقفين العرب، مصريين وسوريين وفلسطينيين، عراقيين وليبيين ويمنيين الخ...
وهكذا تلاقى في «السفير» عدد من العاملين في المؤسسات الثقافية والإعلامية الفلسطينية (مركز الأبحاث الفلسطينية، المجلات والصحف، كوادر التثقيف الذين أرادوا الإسهام في الثورة بعلمهم الخ)... ولقد عمل بعض هؤلاء في «السفير» متفرّغين وبعضهم الثاني من دون تفرّغ، وبعض ثالث كـ «مستشارين» و «ناصحين» بحكم خبراتهم وتجاربهم مراهنين أنها ستكون صحيفتهم.
من هؤلاء توفيق صرداوي: النحيل، الدؤوب، المثقف، والذي ولاؤه للأرض المقدسة والعروبة أولاً وأخيراً.
تولى توفيق صرداوي رئاسة القسم العربي بإشراف «الشيخ» الذي لم يحب أن يكمل حياته وعلى رأسه عمامة، فجاء إلى «السفير» وكنا زملاء من قبل في مجلة «الأحد» ـ دار الكفاح العربي ـ لصاحبها الراحل رياض طه... وتولى موقع مدير التحرير.
وشاءت «الصدف» أن تقتحم «قوات الردع العربية» التي جاءت لوقف الحرب الأهلية في لبنان، بقرار من جامعة الدول العربية، مكاتب «السفير» ذات ليل بارد أواخر كانون الأول 1976، وأن تصحب العاملين جميعاً (ومعهم الخزنة الثقيلة وزناً الفارغة مضموناً إلا من الوثائق التي تخصّ تأسيس «السفير»..) إلى المبنى المركزي لشركة طيران الشرق الأوسط، حيث استجوبتهم «بلطف» ثم أفرجت عن الجميع إلا أضعفهم بنية: محمد مشموشي وتوفيق صرداوي... فقد اعتقلتهم لسبب غير مفهوم، وظلوا في محبسهم البعيد لمدة 22 يوماً بلياليها، من دون تحقيق جدي.
بعد الإفراج عن الزميلين مشموشي وصرداوي وجهت دعوة رسمية لرئاسة تحرير «السفير» فذهب طلال سلمان بصحبة بلال الحسن وفيصل سلمان، ليلقوا حفاوة مرسومة بعناية، لمدة ثلاثة أيام في نادي الضباط..
وعاش معنا الاثنان يعملان بجهد ملحوظ ومثابرة ممتازة، حتى إذا وقع الاجتياح الإسرائيلي اضطر توفيق صرداوي (الفلسطيني) إلى المغادرة مكرهاً..
وبعد سنوات قليلة تلقينا نعي هذا الزميل المناضل بالكلمة المخلص لما آمن به، الدمث، الودود، الذي نادراً ما وقّع ما ينجز شأنه شأن كثير ممن يعتبرون «أن الأصل هو إنجاز العمل وتجنّب الأخطار ما أمكن».
رحم الله هذا الزميل المضيء توفيق صرداوي، وأمدّ الله في عمر زميلنا الكبير محمد مشموشي.
ط.س.