^ ملف «السفير» عن الشهداء ـ الأحياء من ضحايا الاحتلال الإسرائيلي والحرب الأهلية.
بين كل خمسة لبنانيين هناك واحد اقتلعته عاصفة الجنون التي أطلقتها الحرب الأهلية فألقت به غريباً في وطنه، يحاول عبثاً أن يسكن غير جلده فلا يستطيع.
ماذا يبقى من الإنسان إذا ما جُرّد من ذكرياته وأشيائه الحميمة، مراتع الصبا ومصادر الرزق، واغتيلت أحلامه وشُرّد من غير عنوان واقتلع رأسه من مسقطه؟!
نحو سبعين ألف أسرة، عدا أولئك الذين لم تدركهم الاستمارات والتقديرات، وعدا آلاف العائلات التي «هجّرت» قسراً إلى القرى التي كانت تركتها للنسيان فلم تعد قراها ولا عادت لها بها رابطة، تشكل الآن ـ من خلال واقع تهجيرهم ـ قضية الوطن.
لهؤلاء تفتح «السفير» هذا الملف، بدءاً من اليوم.
لقد ذهبت إليهم في مواقع تهجيرهم، حادثتهم واستمعت إلى لوعتهم وأحقادهم المختزنة والى يأسهم المتنامي وسط غابات الدجل السياسي وعمليات الاتجار بواقعهم وذكرياتهم ومشاعرهم في آن.
كذلك ذهبت إلى الدارسين والباحثين والخبراء، تجمع الإحصائيات والخرائط والرسوم البيانية، وتناقش الاستنتاجات واقتراحات الحلول.
وذهبت أخيراً إلى السياسيين، المعنيين بالدرجة الأولى، تحاورهم حول حلم العودة... فمن زمان قالها أديب لبنان الراحل ميخائيل نعيمة: «تكسب الحرب يا بني عندما تعود إلى منزلك»..
أكثر من 500 قرية وحي في مدينة انتقل سكانها قسراً إلى مناطق أخرى، وتركوها خراباً يباباً، إضافة إلى مئات أخرى من القرى فقدت قسماً كبيراً من أبنائها في «هجرات» داخلية «منظمة»، التحاقاً بالطائفة و «كانتونها»، أو في نفي الذات وراء أي «فيزا» تيسّر الحصول عليها ولو إلى بلاد الواق الواق.
بداية التهجير تحمل بصمات إسرائيل بشكل قاطع الوضوح كجرح الجنوب النازف منذ عشرين عاماً أو يزيد.
وإذا كانت الحرب اللبنانية لن تنتهي، حقيقة، إلا مع نهاية الاحتلال الإسرائيلي، فإن السلام اللبناني العميق لن يبدأ إلا مع عودة المهجرين.
إن الارتباط ظاهر بين القضيتين. إن علاقتهما علاقة السبب بالنتيجة. وفي عدد عمره 19 عاماً من «السفير» كان صدر الصفحة الأولى يحمل عنواناً بعرضها يقول: «إنهم يُفرغون الجنوب»... وليس إلا بعد حين، حتى بدا جلياً وكأن تفريغ العرقوب كان بعض مقدّمات تفجير لبنان كله بدءاً بعاصمته وضواحيها.
وعلى امتداد سنوات الحرب كان «التهجير» يتحوّل من مشكلة جهة أو منطقة أو طائفة إلى أزمة جدية، فإلى قضية خطيرة بحجم الوطن نفسه، من حيث شمولها وتأثيرها وارتباطها الوثيق بمستقبله.
بعد الاجتياح الإسرائيلي العام 1982 بدا واضحاً أن إسرائيل قررت أن تتولى بنفسها إدارة التفريغ وإعادة التشكيل الديموغرافي بما يعطيها المساحة الكافية لاختراق النسيج الاجتماعي والقرار السياسي... وككل الفتن الكبرى عبر توسّل الخلافات اللبنانية ـ اللبنانية.
إن أكثر من خُمس اللبنانيين مهجَّر. وبعضهم مهجَّر مهجَّر. وبعضهم الآخر كاد يقطن السيارة لكثرة ما تهجّر من بيروت إلى الجنوب وبالعكس، أو من بيروت إلى الجبل وبالعكس، أو من الضاحية إلى الضاحية وبالعكس، أو من بعض بيروت إلى بعضها الآخر وبالعكس. وهذا الملف الذي تقدّمه «السفير» لا يطرح الأسئلة، فالأسئلة لا تفعل غير نكء الجراح. وتحديد المسؤوليات مهمة شاقة ومن الأفضل تركها للتاريخ، خصوصاً أنه يقتل الأبرياء بين اللبنانيين الذين شدتهم الحرب إلى نارها وكوتهم بمجموعهم.
ولقد يكون «عزل» الماضي ضرورة جوهرية في لحظة اتخاذ قرار مصيري وشجاع كقرار إعادة المهجرين التي تعني بداهة انبثاق الوطن الواحد الموحّد.
مسعود خوند 17/6/1992