«أسود وأبيض» العمل الأخير لإملي نصر الله، الروائية التي أثرت الخزانة القصصية اللبنانية برف كامل من الاعمال، رواية بعد رواية ومجموعة قصصية بعد اخرى، يزداد أثر نصر الله اكتنازا وإنسانية. حول عملها الأخير كان لنا هذا الحديث.

÷ هناك «رومنسية» ما، في اللونين المجتمعين، الابيض والاسود، وهما عنوان إصدارك الاخير. هل هي «نوستالجيا» الى الماضي؟ ما المقصود من هذا العنوان؟
{ عندما نكتب القصة، لا نستطيع ان نحدد وجوهها... أعني الوجوه التي تطل بها القصة على القراء: ماذا يرى فيها القارئ؟ ماذا تنقل اليه، من مشاهد وتعابير؟ هل يطويها وينتهي منها؟ ام تبقي في ذهنه تساؤلات؟
سؤالك يثير لدي هذه الاسئلة وأكثر، وإذا كنت قد لمست «نوستالجيا» ما في العنوان، فتلك ليست حال القصة التي منها استمدت هذه المجموعة القصصية عنوانها.
نعم، هناك بعض القصص الموحية بالحنين والذكريات، لكن هذه القصة بالذات «اسود وأبيض» هي ابنة واقع قاس عشته مع الكاتبة الافريقية، بطلة هذه القصة، خلال ايام مؤتمر ادبي، وهي تكاد تعبر عن احداث عصرنا، وما يثار من مشاكل التفرقة، عنصرية كانت ام غير عنصرية.
÷ الزمن كامن خلف كل جملة في مجموعتك القصصية هذه، فهل اضحت ذاكرتك خزين الاشياء القديمة الجميلة؟... الا يقول لك الحاضر جمالا ما؟...
{ الزمن؟... وهل يفارقنا الزمن؟ في كل خطوة، في كل لفتة، ومع كل نفس ننتعش به، يكون الزمن لنا بالمرصاد، واقفا في العينين او خلف الباب. فكيف لا يقف خلف الجمل والكلمات؟..
وكيف لا يرافق القصة حرفا حرفا، وهي تنبع منه وتصب في مصباته المتشعبة، والمتباعدة؟.. إني متواصلة مع زمني، بكل دقائقه، بذريراته المتسربة في مجاري دمي، في شعاع النور في عيني، في النغم، شجوه والأفراح. فكيف لي ان اردعه عن التسلل الى ما اكتب، وكيف اوقفه او اصده؟...
اما الذاكرة!... فيا لها من خزان، يفاجئنا في الوعي واللاوعي. ننام ولا تنام الذاكرة، بل تأخذنا في رحلات أغرب من كل ما نرسم في الوعي من صور واشكال. وأنا محظوظة، بثراء هذا الخزان، يحفظ الأمكنة والكلمات، وأحيانا ينقل لغة بتمام قماشتها، كما حدث في رواية »الجمر الغافي« عندما سجلت لغة ضاعت من اجيالنا الفتية، وكنت شاهدا عليها، لمعرفتي بحياة الريف والمدينة، ولكوني من جيل مخضرم عرف المكانين، بكل ما تعاقب بينهما من ازمنة الصخب والصمت والانبهار.
وأنا واعية الوعي كله، بأننا، نحن الكتاب، محرم علينا الوقوف عند نقطة، او السباحة في مسارب النهر مرتين، نمر بالأمكنة والازمنة والذكريات، مرورا واحدا، فإما تخصب أحاسيسنا وتؤتي الثمار، او تسقط مثل قشور الشجر العتيق. ومن هنا، كان معنى الحاضر، بل المستقبل الذي اجد في البحث عنه، وأسعى الى بلوغه بكل ما أوتيت من طاقات وقوى.
لا يتسع وقتي للعيش في الماضي، او الوقوف في ظل الاشياء المألوفة. ولذا، أحسني دائمة اللهاث من سرعة ما تجد بي ركابي، وتجرني اشواقي الى البحث عن الجديد الطريف.
ع. ج. ، ٢٢/١/٢٠١٠