كنّا سنعطي هذه الحلقات اسم «حزام الفقر» أو «حزام الحرمان حول العاصمة بيروت»، وجدنا أنّ تعبير «جزر» أقرب إلى الدّقة.
ذلك أنّ بيروت لم تبقَ بيروت الإداريّة المعروفة تقليديّاً. بيروت الواقعية هي بيروت الكبرى الممتدّة من نهر الكلب شمالاً حتّى الناعمة جنوباً ومن الحدث والفياضية شرقاً حتى البحر غرباً. وهذا يعني أن «الحزام» صار فعلاً ماضياً، إذ تحوّل إلى بقاعٍ وجزر منتشرة هنا وهناك في «المحيط البيروتي».
هذه الحلقات، التي تنطق فيها الصور، تتناول «جزر الحرمان والفقر» من دون تبويب معيّن أو نظام.
أما من أين جاء سكانها، فمن البقاع والجنوب على الأغلب. نزحوا من مناطقهم هرباً من الحرمان والفقر، وأملاً بـ «الفردوس» فإذا الحرمان والفقر يلاحقانهم.. يعضّانهم بأسنان زرق.
الحلقة الأولى عن حي آل الأشهب في الدكوانة، الذي نزح أهله البالغ عددهم ثلاثة آلاف نسمة من بعلبك والبقاع وبعض قرى الجنوب. يزنّر حي آل الأشهب مجرور مكشوف في النهار يتحوّل إلى مزبلة ثمّ يفيض في الليل لأنّ بلديّة الدكوانة «تفلت» فيه مجارير الأحياء العليا.
الحاج علي الأشهب، نازح من شمسطار قضاء بعلبك أوّل من سكن الحي، يروي قصّته من دون تحفّظ. يتحدّث عن كيف أنّ البلدية تتجاهلهم برغم كونهم من ملاك الأراضي فيها. يشير إلى أنّ أهالي الحي تقدّموا بأكثر من 100 عريضة إلى القائمقام الياس نجم لتزفيت الطرق وتأمين النظافة، لكن أحداً لا يقوم بواجبه.
وفي رويسات جديدة المتن، يجتمع 15 ألف بعلبكي ممّن يعانون قهر التمييز والإهمال، حيث لا طرق، لا مدارس، لا نظافة، ولا من يسمع.
أمّا حيّ النّبعة، الذي يسمّونه «الصّين الشّعبية»، فغابت الدولة، وهدم المتسلّطون سوق الخضار وحوّلوه إلى مستودعٍ للنفايات والهدف هو «الخوّة».
وفي «بياقوت البعلبكيّة» 400 منزل بلا ماء ولا كهرباء، والمدرسة على حساب الأهالي. مقالع «نهر الموت» تزحف إليهم وتنذرهم بـ «الجلاء». أبناؤه تركوا البندقية في جرود الهرمل ونزحوا باتّجاه العاصمة طلباً للعلم والاستقرار. هربوا من المناطق التي غدرت بهم فجعلت مواسمهم قحطاً وجفافاً وفقراً، ولكي يتخلّصوا من تسلّط النّافذين طلبوا التّرياق في بياقوت، ولكنّهم لم يجدوه.
وفي «حرج الزهيري» ثمانية آلاف نسمة تفتح الدّولة أمامهم باب التّشرّد. أمّا أهالي حي الزعيترية وحي الغوارنة في منطقة الفنار، فاقتربوا من بيروت ليعلّموا الأولاد، فإذا المدرسة بعيدة. حوّلوا الآبار إلى مساكن. وقد حمل حي الزعيترية هذا الاسم نسبةً إلى آل زعيتر، أما «الغوارنة» فسكّانه بعلبكيوّن لكنّه اتخذ اسمه عندما أقام عدد من بدو شمال فلسطين خيمهم في المكان الّذي يقع فيه أثر النزوح عن فلسطين.
أمّا في حي الكرنتينا، أو دولة التّنك، فأناسٌ يمتهنون كلّ شيء في سبيل لقمة العيش. يعيش فيه أكثر من عشرة آلاف إنسان زربتهم الدولة خلف جدارٍ من الباطون ارتفاعه ثلاثة أمتار إخفاءً للواقع المزري الذي يعيشون فيه.
وفي شاتيلا ألف ومواطن، ألفا كوخ، حوالي مليون تنكة، خمسة وعشرون عاماً من البشر. أمّا حي السلم، الخارج على القانون كلّه، فيوجد ستّون ألف موطنٍ يمارسون الحياة على هامش حقوق المواطنة وخارج تصوّر الدولة. حكايتُه تُختصر بكلمات ثلاث: نزوح وعصيان وحرمان.
وفي حيّ الليلكي «غيتو»، أكواخ طينٍ ونفايات مخبّأة بين زيتون الحدث. يسكنه أربعة آلاف مواطن، لا يوجد فيه مستوصف، ولا مدرسة ولا ماء للشرب.
أمّا برج البراجنة، فتحوّلت من بلدة يسكنها عشرة آلاف شخص إلى حشد يتجاوز 150 ألفاً.
(حسن عارف، «السفير»، ٨/٥/١٩٧٧)