من يصنع رجل الدّين في لبنان؟ وكيف تتم صناعته؟ بحيث يصبح مؤهّلاً للقيام بالأدوار التي عليه القيام بها مثل الوعظ والإرشاد وإقامة الصّلوات وعقود الزواج والطّلاق وتقسيم الإرث وإقامة مراسيم الجنازات و..؟
أسئلة كثيرة تتناول المؤسسات الّتي تتولّى هذه المهمّة. بالطبع قد لا تبدو هذه المعاهد أو حتّى الجامعات بمثابة أسرار، خصوصاً لدى أبناء الطائفة، لكنّها بالنّسبة لـ «الآخرين» أشبه ما تكون بمثابة عالم مغلق، خصوصاً أنّ في لبنان 18 طائفة معترفاً بها.
كيف قامت هذه المؤسسات ومن أقامها وأين تقع وكيف هو نظام التعليم فيها وما هي المؤهّلات التي يجب أن يحصل عليها الطالب لكي يصبح رجل دين في ملّته وطائفته؟
لا تتوقّف الأسئلة هنا، بل تتجاوز ذلك إلى العلاقات بين المؤسسات التّعليمية داخل الطائفتين الإسلاميّة والمسيحيّة ولدى كلّ المذاهب التي يتشكّل منها الاجتماع اللبناني على الصّعيد العقائدي.
ولرجل الدّين دورٌ محوري في حياة اللبنانيين، خصوصاً أنّ قوانين الأحوال الشّخصيّة تحكم وتتحكّم بالمواطن من المهد إلى اللحد. لكن المفارقات ليست هنا، بل في وضع وطبيعة مؤسّسات التعليم الديني. علماً أنّنا لم نقارب التعليم الديني في المدارس الرّسمية والخاصّة. وهنا نشير إلى تعدّد المفارقات حول هذا النمط من التّعليم الّذي يختلف عن التّعليم العلماني ـ الرسمي.
أولى المفارقات أنّ هذه المؤسسات متباعدة لجهة نوعيّتها، فهناك مؤسّسات للتعليم العالي، وهناك مؤسّسات تعليميّة دون هذه المرحلة والكثير منها له علاقة مع جهاتٍ حزبيّة أو ذات ارتباطات حزبية، ولا ترى هذه الجهات ضرورة لشرعنة مؤسّساتها.
ثانية المفارقات أن هناك الكثير من المؤسسات ما زالت تدرس على الأسلوب الذي عرفته القرون الوسطى، ليس على صعيد كتب الأصول الدّينيّة فحسب، بل على عدم الاشتراط للدّخول إليها مستويات محدّدة للالتحاق بها ومتابعة الدّراسة في صفوفها وصولاً إلى لبس العمامة واعتبار صاحبها نفسه في سلك رجال الدّين.
ثالثة المفارقات أنّ هناك طوائف صغرى لا مدارس لها، وعليه فإنّ رجال الدين المعممين من أبنائها هم من الذين تابعوا على من هو أكبر منهم ودرس على يديه، ونظراً لحاجة الطائفة جرى تكريسه.
مفارقة أو سمة أخرى أساسيّة أيضاً في استحالة عدّ أو حصر المعاهد الدينيّة لدى العديد من الطّوائف في ظلّ المرجعيّة الرّسمية، إذ إلى جانب المدارس أو المعاهد المرخّصة، هناك العشرات غير مرخص لها.
ومن المفارقات كذلك وضع رجال الدّين وإعدادهم بالعلاقة مع طوائفهم، إذاً في الطّائفة الواحدة تتعدّد المرجعيات وكلّ منها تنشئ مؤسّستها ولا علاقة لهذه بتلك التي أنشأها آخرون من ذات الملّة والطّائفة.
هناك طوائف يتضخّم أعداد رجال الدين فيها على نحوٍ لافت، وطوائف يتراجع مستوى التحاق أبنائها بالمؤسّسات.
الملاحظة الأبرز هي ازدياد الطلب على مؤسّسات التعليم الديني وقيام نوع من أنواع الاكتفاء الذاتي عن توجيه الأبناء إلى المراكز التعليميّة والدينية للطّائفة، سواء كانت في الفاتيكان أو أثينا أو الأزهر أو النّجف أو سواها.
زهير هواري ٢٦/٦/٢٠٠٧