صادق جلال العظم مفكر، أمضى عمره الفكري في المعارضة الثقافية، منشقا واستفزازيا وحتى مهاجما، وله مواقع هي من دون شك علامات في صراعاتنا الفكرية، فوق ذلك درس العظم في أميركا ولا يزال متتبعا مراقبا عن كثب للسياسة الأميركية. لا يسمي نفسه يساريا لكنه بالتأكيد مناضل في سبيل الديموقراطية والعلمانية، صفات تجعل من العظم وجها لجيل ثقافي وتجعل الحوار معه حوارا مع تكوين فكري متعدد وربما نموذجي لأفضل ما في معارضتنا الثقافية. جولة في رأس العظم تجاه 11 أيلول وما بعده كانت وراء هذا الحوار الذي بدأه العظم.
حين ذهبت الى اليابان لأول مرة أحسست كم هي القواسم المشتركة بيننا وبين أوروبا، كثيرة، على الرغم من كل الفوارق التي نتكلم فيها، لكن حين تأخذ المشهد من هناك يصبح هناك معنى لفكرة البحر المتوسط يختلف عن المعنى الذي لها إذا تكلمنا عنها من هنا. لأول مرة وجدت نفسي في ثقافة وحضارة إذا قلت فيها «يا الهي، يا ربي» Mon Dieu, My God فليس لها معنى لأنه ليس عندهم آلهة أصلا، ففي الهند مثلا التي زرتها، عدد هائل من الآلهة حتى إنهم هناك لا يعرفون عددها، في اليابان والصين لا آلهة بتاتا. فكلمة God يستعملها في اليابان من يعرف الانكليزية كتعبير خطابي لا أكثر، وأحيانا حين يقولون (God) او إله او مؤله الى ما هنالك يقصدون بها «ولي» او «قديس» مثلا، لا أكثر.
بالعودة الى موضوعنا، أول ما رأيت المنظر (تدمير برج التجارة العالمي) على التلفزيون ظننت نفسي أني على قناة الخيال العلمي، خلت أنه فيلم من أفلام هوليوود المتخصصة بالكوارث والرعب المديني.
انتابني أول الأمر شعور بالشماتة على الرغم من أن في ثقافتنا وتقاليدنا «لا شماتة في الموت»... لكن لم أتمالك نفسي، فكان ذلك الشعور البدائي الأولي وشعرت بأن الملايين من العرب والمسلمين وغيرهم يشاركونني هذا الاحساس بالشماتة وخاصة أن الأخبار من الضفة الغربية يومها كانت سيئة جدا (طبعا بمعيار تلك المرحلة، ثم صارت أسوأ بكثير). ناقشت نفسي في هذه المسألة واعتبرت أنه لا شماتة في الموت، ولمت نفسي الى حد ما على هذا الشعور الذي طغى عليّ، وهو شعور غير محمود، لكني لم استطع السيطرة على نفسي. ثم تمالكت عقلي الذي عاد ليشتغل ودخلت اعتبارات التحليل السياسي والنتائج والأسباب الخ...
أول فكرة لمعت في ذهني أن من قام بالعملية هو الإسلاميون، لم يكن عندي شك من اللحظة الأولى.
خطر ببالي أن أول سبب للقيام بهذه العملية أن هؤلاء لهم ثأر عند هذا البناء، فقد جرّبوا عام 1993 ان يدمّروه ولم يتمكنوا من ذلك، وبعقلية الثأر التي عندنا والتقاليد القبلية في أفغانستان والسعودية الخ.. جرّبوا وفشلوا ولكنهم المرة رجعوا بنهم انتقامي أكبر بكثير من المرة الأولى. هذا الحسم في التقدير كان من البداية بأن الإسلاميين هم من قاموا بهذه العملية.
÷ ذلك يستتبع السؤال: إذا كان الإسلاميون هم من قاموا بالعملية فهل هو فعلا صراع بين ثقافتين، بين طرفين، هل هي كما يقول بودريار انفجار من الداخل، أم كما يقول نيغري حرب أهلية داخل الغرب؟
ـ لا، ليس صحيحا الحديث عن حرب أهلية داخل الغرب، ليس إحساسي بل تحليلي. قلت لك عن احساسي لكن على مستوى التحليل إذا أردت أن تحملها على محمل صراع الحضارات فذلك ليس صحيحا على أساس أطروحة هانتنغتون، فالأخير تعلم درسه جيدا من الإسلاميين الذين كانوا السبّاقين الى تحويل الصراع من صراع سيادات على الموارد والمصالح في الساحة الدولية والعالمية الى فكرة صراع حضارات أو صراع بين الايمان والكفر، أو بين دار الإسلام ودار الحرب، وهم الذين نظّروا وما زالوا مستمرين بفكرة أن هذا الصراع هو صراع حضاري بين كتلتين وحضارتين هما الغرب والإسلام.
السبب الثاني أني لا أعتبر أن الإسلام الآن يشكل حضارة بالمعنى الفاعل والدينامي والمتحرك والفعال، ولذلك فإن أطروحة صراع الحضارات لا تنطبق في هذا المجال. الإسلام حضارة فقط بالمعنى التاريخي التقليدي الانفعالي السلبي الفولكلوري. لذلك فإن أي صدام بينهما إذا كان مقدرا أن يقع سينتهي كما لو لم يكن أكثر من استعارة أدبية. في نظري أن الحركة الإسلامية استحكمت بها أزمة بنيوية، وعندما وصلت الى طريق مسدود قبل 11 أيلول، عندما تصل مثل هذه الحركات الى طريق مسدود تنشأ فيها تيارات تعتقد أنه عبر العنف المباشر يمكن كسر هذا المأزق أو الأزمة والخروج منها.
عباس بيضون، ١٣/٩/٢٠٠٢