قصة «السفير» هي نفسها قصة طلال سلمان بتفصيلاتها الجميلة وعذابات التأسيس ونشوة التحقق. إنها حكاية الحلم الذي صار حقيقة، ثم بات تاريخاً. وكانت تجربة طلال سلمان في ميدان الصحافة قد تبلورت، بالدرجة الأولى، في المجلات الأسبوعية، لذلك كان سعيه إلى إصدار جريدة يومية تحدياً متعدد الوجوه، ولا سيما أن لبنان كان يشهد في حقبة ما بعد هزيمة حزيران 1967 ازدهاراً إعلامياً كبيراً، وكان يزدهي بكثير من الصحف ذات الانتشار الواسع كـ «النهار» و «الأنوار» و «المحرر» و «الجريدة» و «لسان الحال» وغيرها. وفي هذا المناخ تمكنت «السفير» منذ صدورها من أن تخترق عالم المنافسة، والتزمت أن تقول ما لا يستطيع الآخرون أن يقولوه، لكن من موقع وطني وقومي عربي وتقدمي في آن.
بدأ الإعداد لإصدار «السفير» في حزيران 1973، وتألفت المجموعة الأولى من بلال الحسن وياسر نعمة اللذين عرفا طلال سلمان وتعرفا إليه في مجلة «الحرية» الناطقة باسم «حركة القوميين العرب»، ومن الصحافي المصري إبراهيم عامر الذي استشهد محترقاً في سنة 1976، فضلاً عن محمد مشموشي والياس عبود والرسام المصري حلمي التوني. وبعد جهد مضنٍ صدر العدد الأول في 26/3/1974 وهو يحمل شعار «جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان»، وإلى جانبه شعار رديف هو «صوت الذين لا صوت لهم». وتضمّن مقابلة مطوّلة مع ياسر عرفات. ومن المعلوم أن الصوغ النهائي لشعار «صوت الذين لا صوت لهم» وقع على عاتق إبراهيم عامر، بينما صمم «الماكيت» الفنان حلمي التوني الذي رسم أيضاً «الحمامة البرتقالية» وبدت كما لو أنها تطوير، ووضع الخط محمود برجاوي. وكان الامتياز القانوني لجريدة «السفير» امتيازاً أسبوعياً في الأساس، ويمتلكه الياس الحويك، وقد أمكن التغلب على هذا العائق باستئجار امتياز جريدة «الهدى» الذي ورثه باسم السبع وإخوته عن والدهم الصحافي أحمد السبع. وفي أثناء ذلك انضم باسم السبع إلى «السفير» وصار من أركانها قبل أن تستدرجه السياسة إلى عوالمها.
امتاز موقف «السفير» بصفات ثلاث بارزة ومبدئية هي: رفض الحرب الأهلية، ووقوفها إلى جانب المقاومة الفلسطينية، ومناوأتها اليمين اللبناني واقترابها، في الوقت نفسه، من اليسار وبالتحديد من برنامج الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط. وكانت تلك المرحلة قد شهدت نهوضاً شعبياً عارماً في لبنان تصدره عمال مصنع غندور في بيروت، ومزارعو التبغ في الجنوب، وتظاهرات الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، علاوة على اليسار اللبناني بأطيافه وصنوفه.