سيد معمم ومناضل وأديب ذو أسلوب مميز ولغة فوّارة. كان متفرداً في مسلكه، ومتوحداً بالأرض التي درج عليها، وهو وحيد والديه. ومع أنه نجفي التكوين، فقد كان عصرياً وحداثياً وديمقراطياً وليبرالياً في معظم مواقفه. ارتدى ثوب الفقهاء، لكنه خلع عنه أردية التعصب والكراهية والاستعلاء على الغير، فكان مثل واحد من فلاحي جبشيت، أو مثل عامل من عمال التبغ الذين ناضل من أجلهم وسجن في سبيل قضاياهم. وكان فدائياً فلسطينياً ومناضلاً زهت فلسطين كثيراً بعَّمته وجُبّته. وفوق ذلك كان ذلك القلم الذي جمع البلاغة العالية إلى الروحانية الشفيفة. وظهر امتيازه هذا في كتابه الجميل «أوراق من دفتر الولد العاملي» (1980). وكانت مقالاته في «السفير» تستولي على ذائقة القراء، يساريين وعلمانيين ومتدينيين، ومن مختلف الصنوف والضروب.
كان سيد الكلام في الصحافة والمهرجانات واللقاءات والمؤتمرات وجلسات المثقفين والفقراء والمساكين، وسهرات القرى في جبل عامل وفي أعالي بلاد جبيل. وكان نادراً في طريقته في العيش والسياسة والمواطنة، فلم يتردد في الذهاب إلى الكنائس والأديرة ليخاطب أهله المسيحيين، لكنه لم يتردد يوماً في رفض الإصغاء إلى الغوغاء من الطائفيين والمتعصبين. وذخيرته الرفيعة هذه انعكست في آرائه ومواقفه التي نثرها كتابات جميلة ومسؤولة على صفحات «السفير» وغيرها من الصحف اللبنانية والعربية.
ولد السيد هاني فحص في قرية جبشيت في الجنوب اللبناني في سنة 1946، ودرس المرحلة الابتدائية فيقريته، والمرحلة المتوسطة في النبطية، وحاز الشهادة المتوسطة في سنة 1962، ثم نال البكالوريا السورية كطالب حر، وسافر إلى النجف في 20/10/1963 ودرس على السيد محمد تقي الحكيم، وحاز الإجازة في العلوم الإسلامية واللغة العربية من كلية الفقه في النجف. وفي النجف ترأس تحرير مجلة «النجف».
عاد إلى لبنان في سنة 1972، وشارك في حركة مزارعي التبغ، ثم أسس «منتدى أدباء جبل عامل» مع عدد من الأدباء والشعراء أمثال محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع وحسن داود وحمزة عبود والياس لحود وحسن العبد الله وعباس بيضون وموسى شعيب. واعتقل في 24/12/1973 بعد تظاهرة احتجاجية لمزارعي التبغ في النبطية، وكان أحد منظمي تلك التظاهرة التي سقط فيها شهيداً كل من نعيم درويش وحسن الحايك.
رشحه كمال جنبلاط واليسار اللبناني إلى الانتخابات النيابية الفرعية في سنة 1974، فاشترط لقبول الترشيح موافقة الإمام موسى الصدر الذي لم يوافق. وفي تلك الفترة نسج علاقات وثيقة بحركة «فتح»، وخصوصاً مع ياسر عرفات وخليل الوزير. وعقد صلات قوية مع المعارضة الإيرانية التي كان بعضها يتخذ من لبنان مقراً له، وساهم في توثيق الروابط بين حركة فتح وتلك المعارضة، وقام بمهمات كثيرة في هذا المضمار بالتنسيق مع الشيخ محمد علمي والسيد محتشمي والسيد حميد روحاني وآخرين.
زار الإمام الخميني مرتين في النجف (1977 و1978)، ثم زاره مرتين في باريس بتكليف من حركة «فتح»، وعرض عليه الإقامة في لبنان تحت حماية المقاومة الفلسطينية في ما لو لم تمنحه فرنسا حق الإقامة. ولما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران زار طهران في عداد وفد فلسطيني برئاسة ياسر عرفات، وكان إلى جانب أبو عمار في احتفال تحويل المكتب التجاري الإسرائيلي إلى سفارة لفلسطين، واقترح اسمه ليكون أول سفير لفلسطين في إيران.
أقام في طهران في سنة 1980 هرباً من المطاردة الأمنية للأجهزة العراقية في لبنان، ولما عاد إلى لبنان تابع نشاطه المنفتح، وتمكن من بناء علاقات متينة بالكنائس المسيحية المتعددة، وأشرف على أحد البرامج التلفزيونية في محطة «النور» التابعة لإحدى الكنائس، وساهم في تأسيس «الفريق العربي للحوار الإسلامي ـ المسيحي».
صقر أبو فخر
] توفي في 18/9/2014، وأقيمت له مجالس تعزية في رام الله وفي سفارة فلسطين في لبنان.