خسر الجيش التركي الجولة الأولى من معركة الباب ضدّ تنظيم «داعش» وتعرّض لخسائر بشرية ومادية فاقت توقعاته الأولية. الخسارة كانت كبيرة ومُهينة لواحد من أكبر جيوش حلف «الناتو» لدرجة أثّرت على معنويات الضباط الأتراك المُشاركين في العملية، حتى أن ضابطاً كبيراً قدّم استقالته إلى قيادة الجيش، طالباً إعفاءه من العودة إلى جبهة القتال في الشمال السوري قبل أن يُقتل هناك.
نُزهة التوغل في الأراضي السورية التي انطلق بها الجيش التركي من مدينة جرابلس وصولاً إلى دابق ومحيطها، تحوّلت عند أعتاب مدينة الباب إلى مُغامرة مجهولة النتائج. لذلك لم يكن مستغرباً أن يُطلق الجيش التركي أولى إشارات الاستغاثة باتجاه «التحالف الدولي» لعلّه يُنقذه من الغرق المُحتّم في مستنقع الاستنزاف الدموي الذي بدأ يغوص فيه.
وتُعتبر معركة الباب معركة مصيرية بالنسبة إلى الغزو التركي، ومن ورائه حزب «العدالة والتنمية» والرئيس رجب طيب اردوغان. وقد يكون أهم تعبير عن أهمية هذه المعركة ما صدر عن رئيس «الحركة القومية» دولت باهتشلي، الذي يُعتبر الحليف الأبرز لأردوغان في حربه ضدّ «داعش» والأكراد وفي تمرير مشروع الدستور الرئاسي، حيث قال: «إذا خسرنا الباب فإننا سنخسر مدينة ديار بكر». ويكشف هذا التصريح مدى التخوّف التركي من تداعيات المعركة ومخاطرها على الأمن القومي التركي، لكنه يكشف أيضاً حقيقة التداخل بين الحروب التي تخوضها تركيا ضدّ «داعش» من جهة، وضدّ الأكراد من جهة ثانية، وهو ما يُضفي مزيداً من التعقيد على الواقع التركي الهشّ أساساً.
وجدّد نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة نعمان قورتلموش، أمس، توصيفه لمعركة الباب بأنها «مسألة أمن قومي»، لكنّه حاول التخفيف من دلالات المُطالبة بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة، حيث شدّد على أن «تركيا تمتلك من القوّة والخبرة ما يُمكّنها من إتمام العملية وحدها من دون تلقّي أي مساعدة».
وتُمارس الحكومة التركية تعتيماً إعلامياً كبيراً على مجريات معركة الباب، وتفرض على وسائل الإعلام المحلية عدم نشر أي أخبار عن التطوّرات الحاصلة فيها إلا بما يتناسب مع بيانات الجيش التركي. لذلك، فإن المعلومات حول المعركة وأحداثها، وأعداد الجنود الأتراك المُشاركين فيها، ونوعية العتاد والأسلحة المستخدمة، وعدد أولئك الذين قُتلوا أو أُصيبوا بسببها، تبقى غالباً مخفية وراء جدران من السرية.
وفي ظلّ الحملة الشعواء التي تقودها أجهزة الأمن التركية ضدّ وسائل الإعلام، لا يجرؤ الصحافيون الأتراك على اختراق الحظر، ونشر ما يملكونه من معلومات حول المعركة الأصعب التي ينخرط بها الجيش التركي منذ سنوات طويلة. وهو ما جعل الشارع التركي يعيش في تغييب تام عن العديد من الحقائق المؤلمة التي حفلت بها هذه المعركة، حتى أن خبر إحراق الجنديين التركيين من قبل تنظيم «داعش» لم يجد منصّة إعلامية تركية تقوم بنشره بسبب الحظر الحكومي المدعّم بعقوبات زجرية قاسية على رأسها إغلاق المؤسسات واعتقال الصحافيين. وفي هذا السياق، نشرت مواقع الكترونية مُقرّبة من حزب «العدالة والتنمية» تسريبات عن وجود قائمة تتضمّن أسماء 625 صحافياً لإجراء تحقيق معهم، وهو ما اعتبره بعض النشطاء من اليسار التركي تهديداً مبطناً لعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الحكومة التركية.
لكن ما تبذل الحكومة التركية قصارى جهدها لإخفائه والتكتّم عليه، بدأ مؤخراً بالظهور من خلال بعض التصرّفات والتصريحات الصادرة عنها. فإرسال تعزيزات جديدة إلى جبهة القتال في محيط مدينة الباب قوامها من الجنود الأتراك، دليل على فشل الخطة العسكرية الموضوعة ووجود صعوبات يعاني منها الجيش التركي. كما أن المُطالبة بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة دليل آخر على عدم مقدرة الجيش التركي على حسم المعركة وحده.
وفي هذا السياق، قالت مصادر تركية، الاثنين الماضي، إن الجيش عزّز القوات المُسلّحة المُشاركة في عملية «درع الفرات» المتواصلة شمالي سوريا بـ500 عنصر من «الكوماندوس» التركي و1400 من الفصائل السورية في مسعى لتسريع حسم معركة الباب التي دخلت مراحلها الحساسة.
وأوضحت المصادر أن 500 من «الكوماندوس» التركي التحقوا خلال الساعات الأخيرة بقوات الجيش التركي التي تخوض معارك طاحنة وحرب شوارع مع مسلّحي تنظيم «داعش» في مدينة الباب الاستراتيجية مع اقتراب إتمام السيطرة عليها. كما أشارت المصادر إلى أن 1400 من قوات «الجيش السوري الحرّ»، الذين خرجوا من حلب، التحقوا أيضاً بالمعارك الدائرة في مدينة الباب.
وكان من الممكن التصديق أن معركة الباب دخلت مراحل الحسم الأخيرة، لولا أن المتحدث باسم الرئيس التركي ابراهيم كالين طالب بتدخّل «التحالف الدولي» في المعركة عبر تأمين التغطية الجوية، معتبراً «عدم تقديم الدعم اللازم أمراً غير مقبول». فلو كانت المعركة على وشك الحسم، لما كان هناك حاجة لمثل هذه المطالبة، خصوصاً أن «التحالف الدولي» استبق المعركة قبل أسابيع عدّة، وأعلن رسمياً أنه لن يُشارك بها.
كما أن وقائع معارك الكرّ والفرّ، التي شهد جبل الشيخ عقيل أخطر فصولها، تدلّ على مدى حجم الصعوبات التي تقف في طريق الجيش التركي لانتزاع السيطرة على المدينة من تنظيم «داعش» الذي يُقاتل بشراسة كبيرة كيلا يخسر أحد أهم المعاقل المُتبقيّة له في ريف حلب الشرقي. فقد فشل الجيش التركي في تثبيت سيطرته على جبل الشيخ عقيل بعد نجاحه في الوصول إلى قمّته مرّتين مُتتاليتين، وذلك بسبب الهجمات المُضادّة التي شنّها انغماسيو «داعش» ضدّ المُهاجمين وتفجير المُفخّخات التي نفّذها انتحاريوه على الخطوط الأمامية والخلفية التي تتوزّع فيها قوات الجيش التركي وحلفائه.
وقد أوقعت هذه الهجمات والمُفخّخات خسائر كبيرة في أرواح الجنود الأتراك. واعترف الجيش التركي بسقوط 16 جندياً جراء مُفخّخات «داعش»، يوم الأربعاء الماضي، لكن مصدراً طبياً تركياً يعمل في مستشفى حدودي أكد لـ «السفير» أن عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير، مُتحدّثاً عن عشرات القتلى والجرحى.
انعكس حجم الخسائر البشرية على معنويات ضباط الجيش التركي الذين يُشاركون في الأعمال القتالية في الباب، حتى أن ضابطاً كبيراً هو قائد القوات الخاصّة المُشاركة في المعركة تقدّم باستقالته إلى قيادة الجيش التركي، طالباً إعفاءه من مهامه القتالية في هذه المعركة، لكن الاستقالة رفضت وأمر الضابط بالعودة إلى جبهات القتال مجدداً حيث قُتل هناك. والضابط هو بولانت البيرق الذي يُعدّ من الضباط ذوي الخبرة العسكرية الكبيرة التي اكتسبها جراء مشاركته في العديد من المعارك ضدّ الأكراد داخل تركيا. وقد مارست السلطات التركية ضغوطاً كبيرة على بعض وسائل الإعلام لعدم نشر أي خبر عن تقديم الضابط استقالته.
وكانت وجهة نظر بولانت البيرق، التي أوصلها إلى قيادته، أن اقتحام الباب غير ممكن بحسب الخطة الموضوعة، وأنه لا بدّ من تغيير التكتيك المُتّبع، إلا أن استعجال قيادة الجيش في دخول الباب حال دون أخذ رأيه في الاعتبار، ما دفعه إلى تقديم استقالته بعدما رأى حجم الخسائر التي تتكبّدها قوّاته في المعركة، حسب ما قال صحافي تركي بارز لـ «السفير»، لكنّه رفض الكشف عن اسمه بسبب خشيته من ردّة فعل الحكومة. وأشار الصحافي إلى أن إحدى الصحف التركية كانت على وشك نشر خبر استقالة الضابط وأسبابها، لكن إدارة الجريدة امتنعت عن ذلك في اللحظات الأخيرة بسبب الضغوط التي تعرّضت لها من الحكومة بذريعة تأثير ذلك على معنويات الجنود ومسار معركة الباب.
ونتيجة هذا التعثّر الذي تُواجهه معركة الباب، وبروز مؤشرات جدّية على عدم قدرة الجيش التركي على حسمها وحده، بدأت بعض الأصوات داخل كواليس حزب «العدالة والتنمية» تتهامس حول ضرورة حسم المعركة بسرعة، ومهما كانت الأثمان ولو اضطر الأمر إلى التفاوض مع الجيش السوري للتنسيق معه في هذه المعركة. ويعتمد هؤلاء على أن الفشل في السيطرة على الباب ستكون تداعياته خطيرة جداً على تركيا وأمنها القومي. ومثل هذا المطلب تدعمه المعارضة التركية بكل أطيافها. كما أن روسيا تبذل بعض المساعي من أجل ضمان عدم حدوث تصادم عسكري بين الطرفين التركي والسوري في محيط الباب، وهو ما يتطلّب حداً أدنى من التنسيق غير المباشر بينهما. لكن تبقى حظوظ تحقّق هذا المطلب في الواقع ضئيلة جداً لاعتبارات سياسية عدّة لا تستطيع الحكومة التركية تجاوزها في هذه المرحلة، ما لم يتكبّد الجيش التركي خسائر لا قبل له بتحمّلها. ومع ذلك، فإن مجرد صدور هذا الكلام عن مسؤولين داخل «التنمية والعدالة»، ولو بعيداً عن وسائل الإعلام، يُعتبر تطوّراً لا يُمكن تجاهله، حسب ما قال مصدر إعلامي تركي متابع للشؤون السياسية في بلاده لـ «السفير».
ولاحظ المصدر أن بعض كبار الكتّاب المقربين من الرئيس اردوغان وحزبه، أخذوا في الفترة الأخيرة يُركّزون في كتاباتهم على مخاطر الإرهاب المقبلة من الحدود أكثر من الموضوع المعتاد لديهم، وهو مهاجمة الرئيس السوري والمُطالبة برحيله، الأمر الذي يُؤشّر إلى طبيعة التحوّل الذي جرى في وعي هؤلاء بسبب معركة الباب وصعوبتها، بالإضافة إلى مُتطلّبات التنسيق مع موسكو. لكن المصدر شدّد على أن التيار الوازن داخل الحزب يرى ضرورة انتظار ما ستُسفر عنه سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ومن ثم يُبنى على الشيء مقتضاه.