سليمان تقي الدين

الانطباع السائد في العالم العربي أن الثورات لم تغيّر من طبيعة الدولة. يستخدم بعض المحللين مفهوم «الدولة العميقة» إشارة إلى ثبات مرتكزات القوى والآليات والمصالح التي شكّلت الأنظمة السياسية بعيداً عن الواجهات التمثيلية أو الأشخاص الذين يديرونها.
يستند هذا الرأي إلى النموذج المصري بصفته المثال الأعلى المتقدّم أو المكتمل لهذا المسار التغييري. المعادلة واضحة لجهة عناصر الضعف في قوى التغيير من حيث برنامجها وتنظيمها برغم الفورة الشعبية الهائلة وغير المسبوقة، في مقابل جسم الدولة الراسخ المتماسك كما هو حال الجيش أولاً والمؤسسات الأخرى ثانياً، والانجذاب الشعبي للحفاظ على هذه المكوّنات ودعوتها المباشرة وغير المباشرة لكي تكون هي المرجع والحل. تتلاقى إرادتان من الدولة والشعب على إيجاد المخرج من الأزمة السياسية الوطنية.
يتفاوت هذا المشهد ويختلف في الكثير من التفاصيل لكن المشتركات موجودة في خلفية كل المسرح السياسي. يؤكّد كل ذلك على الطبيعة المعاصرة لواقع «الدولة والثورة». كل التحوّلات التي جرت في أوروبا الشرقية نهاية الألفية الثانية سلكت هذه الوجهة. ومن قبل كانت الثورة الطلابية في أوروبا الغربية عام 1968 قد وصلت إلى نتيجة مشابهة. يحصل التغيير على مستوى الأغلفة أو ما يمكن تسميته خطوط الدفاع الأمامية دون بلوغ «النواة الصلبة» لفكرة الدولة الحديثة التي تمّ إنتاجها على مدى قرون ووفق مصالح عميقة داخلية وخارجية وتتحرك بفعل قوى عابرة للهياكل والمؤسسات والمظاهر الخارجية التي تتمثل في «الأنظمة».
لم تخرج التجربة اللبنانية برغم الحرب الطاحنة والخصوصية الطائفية عن هذا السياق الذي يرتبط بطبيعة قوى التغيير المعاصرة عموماً من حيث محدودية المشروع الفعلي و«غياب أي تصور عالمي بديل» نظري أو عملي للدولة كما استقرت عليها في النصف الثاني من القرن العشرين.
الملايين التي نزلت إلى ميادين مصر (الثلاثون أو العشرون) لا تملك أبداً القدرة على إقامة نظام للتسيير الذاتي أو لإدارة المجتمع وهي من كل الطيف الاجتماعي والسياسي. لذلك واجهت ثورات أخرى بصورة أولية في تونس واليمن وليبيا والبحرين وسوريا مشكلات أكبر وأعقد إن بسبب عنف الأنظمة وإن بسبب تكوينها الاجتماعي والسياسي الطائفي أو القبلي أو الجهوي ونوعية تجربتها الحزبية الحديثة وما راكمته من خبرات ووسائل وإمكانات معنوية ومادية.
كل هذا يردّنا إلى سؤال الثورات والنظرة التبسيطية التي تعاملت معها سلباً أو إيجاباً. هناك معطى لا يمكن الاستهانة به أبداً يؤسّس لثقافة سياسية جديدة شكلاً ومضموناً وهو الحضور الفاعل للجمهور في كل ما يجري في المنطقة، سواء أكان الجمهور مع هذا الخيار العقائدي أو مع الخيار الليبرالي. ففي ظل النماذج المتشدّدة الإيراني الإسلامي والتركي العلماني جرت وتجري «عملية سياسية» تعطي بشكل أو بآخر مضامين معينة ولو محددة لمبدأ «الشعب مصدر السلطات». وفي مصر نجد النموذج الذي يُبنى من جديد على آليات الاستفتاء والانتخابات التي تكرّرت فيها العودة إلى الشعب أربع أو خمس مرات في غضون ثلاث سنوات.
هذا «التمرين الديموقراطي» ليس مثالياً وليس متكاملاً ولكنه أساسي لمستقبل الحرية والديموقراطية بما في ذلك الشوائب وحتى التشوهات المرتبطة بمواجهة مشروع «الإخوان المسلمين» ليس لأنه مشروع عقائدي، بل لأنه مشروع تسلطي مناقض لمناخ التغيير المطلوب. إن فكرة التغيير أو الثورة تحتاج إلى علاقة جدلية بين الدولة والمجتمع.
قامت نظرية «المجتمع المدني» على هذه الركيزة أساساً حيث على الدولة الحديثة أن تكون محلاً لتوازنات قوى متعددة والتنازع السلمي في ما بينها انطلاقاً من حركة المجتمع والكتل الضاغطة واحتمالات إحداث التغيير في المجتمع نفسه. في بعض أزمة الثورات العربية إذا جاز لنا إطلاق هذا الحكم كون المجتمع المدني لم يتبلور بالقدر الكافي والضروري لجعل الدولة أكثر حيادية أو استقلالاً. وبرغم أهمية معركة الدساتير العربية بوصفها مرجعية شرعية لسلطة الدولة وناظمة لعنفها فالحاجة متزايدة لكي تنشأ المؤسسات الشعبية أي الأحزاب والتيارات السياسية والنقابات وأن يتغيّر التوازن في المجتمع بين القوى المدنية والقوى التقليدية ولا سيما الحركات السياسية الدينية.
على هذا المستوى يكمن أحد إنجازات الثورات العربية من حيث المواجهة المفتوحة مع هذه القوى والتيارات.

للإطلاع على المقال المطلوب، الرجاء الإتصال بـ "أرشيف السفير" على الرقم +9611350005
أو على البريد الإلكتروني archive@assafir.com