الفضل شلق
أوهام التأسيس
عودة إلى ما دون السياسة
لا تتأسس الدولة بعقد اجتماعي ولا بمؤتمر تأسيسي. الدولة قدر. هي موجودة وحسب. يتقرر كل شيء في إطارها، إذا أريد تفادي الحرب الأهلية. كل محاولة لإعادة تأسيس الدولة هي وصفة لحرب أهلية. تنشأ الدولة بالغلبة. ربما تنشأ بإرادة خارجية، وهذه نوع من الغلبة؛ أو تنشأ بإرادة داخلية، إذا تغلب فريق على الآخرين. لم يحدث في التاريخ أن نشأت دولة بإرادة أبنائها، كل أبنائها، كدولة عقد اجتماعي. لا يجتمع الناس لتشكيل عقد اجتماعي وأهل البيعة، أي أهل العقد والحل في التاريخ الإسلامي وهم. تفرض الدولة على الناس، وعليهم تدبير أمورهم بعد ذلك. بعد مرور الزمن يقبل الناس الأمر الواقع، يقررون العيش المشترك؛ وعلى أساس ذلك تصير الدولة شرعية، أي يرضى عنها أبناؤها، أو يرضخون لها. حتى الرضوخ يكون أحياناً نوعاً من القبول. ما لم يحدث القبول بالرضى تبقى الدولة غير شرعية.
الشرعية تتطلب السياسة. لذلك قيل عن الدولة انها مجال السياسة، مجال التسويات. ليس في النظام الدولي ما هو أكثر رسوخاً من حدود الدول. وذلك تقرر في مؤتمر وستفاليا في العام 1648، بعد ان أنهكت الحروب الدينية أوروبا. ورثنا دولنا بعد سايكس ـ بيكو، أي بعد حرب عالمية؛ تهتز الحدود عادة بعد الحروب العالمية. ولا حيلة لتجاوز هذه الحدود الموروثة إلا بالقبول بها، لأن التخلي عنها سوف يقود إلى الأسوأ، إلى الدولة الفاشلة، وربما إلى المجتمع الفاشل. بقاء الدولة مع الشرعية، أي القبول بها هو الذي يؤدي إلى نشوء المجتمع. سواء كان المجتمع موحداً إثنياً أو طائفياً، أو غير ذلك (وغالباً ما يكون غير ذلك) فإنه مضطر للتعايش في إطار الدولة، في إطار الحدود الجغرافية المرسومة لها؛ وذلك مرهون بممارسة السياسة، وهي الحوار والنقاش؛ وتداول السلطة في وضع ديموقراطي؛ وإلا كان الحكم استبدادياً. الذين يفترضون مؤتمراً تأسيسياً يفترضون أن المجتمع متماسك بطبيعته؛ وما ذلك إلا أضغاث أحلام: رؤية غير واقعية لمجتمع ينشئ دولة، بينما الواقع منذ فجر التاريخ ان الدولة تنشئ المجتمع.
جاري التحميل